دورة علم أصول الفقه ( 10 - المباح )

 

دورة علم أصول الفقه ( 10 - المباح )


10 - المباح
القسم الخامس والأخير من أحكام الحكم التكليفي المباح

وهو لغةً :الحلال ، ومنه قولهم أباحه الشيء إذا أحلَّه له.

واصطلاحاً : ما خيَّر الشارع الحكيم بين فعله وتركه.
وقيل: ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.

مسمياته : مباح وحلال وعفو وجائز .

حكم المباح: لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه
وقد ينوي بفعل المباح الاستعانة به على طاعة الله فيؤجر.
وقد يتوصل بالمباح إلى الخير فيُلحق بالمأمورات.
وقد يتوصل بالمباح إلى الشر فيُلحق بالمنهيات.



أنواع المباح:
1- الإباحة الشرعية: ما استُفيدَت الإباحة فيه من النص الشرعي،
يعني ورد نص شرعي بيقول إن هذا الفعل مباح ، كحل البيع لقوله تعالى : (وأحل الله البيع ) .

2- الإباحة العقلية: هوما لم ينزل فيه نص من الله سبحانه وتعالى يحرمه أو ينهى عنه ،
فالأصل في الأشياء والأعمال الإباحة ما لم يأتنا دليل شرعي ينقلنا عن هذه الإباحة .



والإباحة تعرف بطرق منها:
1) النص على التخيير بين الفعل والترك
كقوله صلى الله عليه وسلم في لحوم الغنم : " إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ"

2) نفي الإثم والمؤاخذة
مثل الآية في البقرة: " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " (173)
وكقوله تعالى : "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما.".

3) النص على الحل
مثل: قوله تعالى : " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم "
وقوله تعالى : "اليوم أحلت لكم الطيبات"

4) الأمر الوارد بعد الحظر.
مثل : "وإذا حللتم فاصطادوا"
فتفيد هذه الآية إباحة الصيد بعد تحلل الحاج من الحج، وقبل ذلك كان الصيد ممنوعا في قوله تعالى: " غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ"

5) كون الفعل مسكوتاً عنه.
فإن الأصل في الأشياء المنتفع بها الحل.

6) وجود قرينة دالة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة
مثل قوله تعالى:" فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الاَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "



المباحات تنقلب بالنيات إلى عبادات
قلنا أن المباح لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه ، لكن نقدر بطريقة بسيطة نحول المباح لعباده نُثاب عليها .
والسر في النية .
فمن فعل المباح بنية يثاب عليه، ولذلك قعد علماء الفقه قاعدة فقهية فقالوا: العادات تنقلب بالنيات إلى عبادات.
وأصل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات).

مثال ذلك: قول الصحابي: إن لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، أي: أنه ينام حتى يقيم الليل.

أيضاً: الثوري كان يأكل كثيراً، فلما عاتبوه على ذلك, قال: إني أستعين بذلك على الجهاد. فإن كنت تأكل كثيراً فاحتسب أنك تقوي جسدك للجهاد في سيبل الله؛ فمن يأكل كثيراً له أن يحتسب ذلك؛ فيتلذذ بالطعام ويحتسب أن ذلك تقوية له على الطاعة.

فالمسلم التقي يسعى في استحضار نية التقرب لله عز وجل في جميع شؤون حياته ،
فإذا نام احتسب نومه لله عز وجل كي يستعين براحة جسمه على العبادة حين يستيقظ ،
وإذا أكل أو شرب قصد بذلك التقوي للقيام بحقوق الله ،
وإذا تزوج أراد إعفاف نفسه بالحلال عن الحرام ،
وإذا طلب الذرية قصد الذرية الصالحة التي تعمر الأرض بمنهج الله ،
واذا أنفق يرجو بنفقته على نفسه وأهله الأجر والثواب أيضاً ،
وإذا تعلم وقرأ ودرس احتسب ذلك أيضاً ،
إذا تكلم فبالخير ، وإذا سكت فإمساكاً عن الشر ،
وهكذا تكون مقاصده في أعماله كلها خالصة لوجه الكريم سبحانه


ويبقى عندنا سؤال :
هل المباح مأمور بطلبه أو باجتنابه ؟

فعل المباحات لا حرج على فاعلها ، لكن الشيطان قد يستدرج العبد ، فيشغله بها عن الاستكثار من الطاعات ، وعن الاجتهاد في التزود للاخرة .
اذن يُنهى عن التوسّع في المباحات لسببين :
الأول : لأنها تشغل عن الطاعات .
والثاني : لأن من توسّع في المباحات يُخشى عليه الوقوع في الشبهات ، و قد يجر المسلم إلى المحرمات
قال سبحانه : ((وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) ( الأعراف :31)

قال سليمان الداراني: "لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة"،
وقال مالك بن دينار: "بقدر ما تخزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك"

والضابط في المباحات هو كما قال العلماء :
إذا كان المباح وسيلة إلى أمر مأمور به .. فهو مطلوب فعله ..
وإذا كان وسيلة إلى منهي عنه .. أخذ حكمه من الحرمة ..



والمباح لا يترك إلا لأحد الأسباب التالية :
* أن يكون هذا المباح مانعا من عبادات .. وحائلا دون خيرات .
* إذا كان هذا المباح مسببا لتغير في النفس .. فيبتعد عنه.
* إذا وجد أن في هذا المباح شبهة .. فيتورع عنه .
* إذا كان فيه إسرافا فيتجنبه .
* إذا لم يكن هناك رغبة شخصية لهذا المباح .. فلا يلتزم به .

ترك بعض المباحات خوفًا من الوقوع في المكروهات أو المحرمات :
أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال : ( يا معاذ اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن .)

قال أبو الدرداء رضي الله عنه : ((تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة ، وحتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً )

لذا علينا أن ندع بعض المباحات أو المشتبهات تورعًا لننال منزلة التقوى.
مثلاً: قد يكون وجودك في بعض الأماكن للتنزه والتسوق مباحًا ، وشراؤك لبعض الكماليات مباحا ،
ولكن تترك فعله أحيانا حذرا من الوقوع في الخطأ . وامتثالا للسنة وتحقيقا لثمرة التقوى .

قال الحسن رحمه الله : ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام.
وقال الثوري رحمه الله: إنما سمّوا متقين لأنهم اتقوا ما لا يُتقى عادة أو ما لا يتقيه أكثر الناس".


إن الدعوة إلى ترك الاسراف بالمباحات لايعنى الإمتناع عن التمتع بنعم الدنيا ومباهجها ولكن هى دعوة إلى الإقتصاد فى الإنفاق , وعدم تعلق القلب بتلك النعم اوانشغاله بها عن الآخرة ،
وليست المطالبة بترك المباحات كليا ، فالله سبحانه وتعالى أمر بالتمتع بطيبات الأرض ، كما أنه صلى الله عليه وسلم وهو أعبد الناس كان يحب الطيب والنساء . ونهى من أراد ترك المباحات كليا , فقال صلى الله عليه وسلم لأولئك النفر الثلاثة كما في حديث أنس ((أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له؛ لكنّي أصوم وأُفطر،
وأصلِّي وأرقد، وأتزوّج النساء؛ فمن رغب عن سنّتي فليس منّي)).



الواجب:
س1: عرفي المباح لغة واصطلاحا وماهو حكمه ؟
س2: ماهي أنوا المباح ؟ وكيف نعرف الإباحة ؟
س3: هل المباح مأمور بطلبه أم اجتنابه ؟


 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )