دورة علم أصول الفقه ( 17 - تعارض النصوص الشرعية )

 

دورة علم أصول الفقه ( 17 - تعارض النصوص الشرعية )


17 - تعارض النصوص الشرعية
أحيانا قد نقرأ نصين شرعيين سواء من الكتاب أو السنة ، فنشعر أن بينهما تعارض
وفي الحقيقة لا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة الشرعية،لأنها كلها نابعة من مصدر واحد وهو الله جل جلاله. سواء كانت قرآنا أم سنة. لذلك يسميه العلماء التعارض الظاهري لا الحقيقي، فلا يمكن أن تجد آية تقول كذا حلال وأخرى تقول حرام ، فالتعارض فقط في ذهن المجتهد .

والتعارض هو : تقابل الدليلين على سبيل الممانعة .
( فيكون عندنا دليلين أحدهما مثلا يدل على التحريم والثاني يدل على الجواز فدليل الجواز يمنع التحريم ، ودليل التحريم يمنع الجواز ، فكل منهما مقابل للأخر ، ومعارض له ، ومانع منه ).

لكن حتى يكون هناك تعارض لابد أن يكون الدليلين متساويين في القوة ، فيكونان متساويين في الثبوت ومتساويين في الدلالة
(يعني مثلا الاثنين دلالة قطعية أو الإثنين دلالة ظنية والإثنين ثبوت قطعي أو الإثنين ثبوت ظني
مينفعش نقول فيه تعارض بين نص قطعي الدلالة ونص ظني الدلالة لأننا هنا هنقدم قطعي الدلالة ومش هيكون فيه تعارض
ولا يكون أحدهما حديث ضعيف والآخر صحيح مثلا لأننا في هذه الحالة سنعمل بالصحيح ولن يكون هناك تعارض ) .
وأن يكون هناك إتحاد في زمان ورود النصين الشرعيين
( فلو ورد نص يأمر بشئ ، ثم ورد بعد بعده نص آخر ينهى عن ذلك الشئ أو ينفيه فلا يعتبر هذا تعارضا ؛ لأن أحد النصين سيكون ناسخا للآخر إذا عرف التاريخ ، ويعمل بأحد النصين كل في وقته .)

أسباب تعارض الأدلة :

أولا : أن يكون أحد الحديثين ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقةً ثبتا ً ، فالثقة يغلط .

ثانيا : أن يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن شئ فيأتي أحد الرواة بهذا الخبر كاملا ، ويأتي به أخر مختصرا ، ويأتي ثالث ببعض معناه دون بعض ، فيظن بسبب ذلك التعارض والإختلاف بين هذه الأخبار

ثالثا : ان الرجل قد يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر الجواب دون السؤال الذي بمعرفته يزول الإشكال وينتفي التعارض والختلاف .

رابعا : أن يكون احد الحديثين ناسخا للآخر فيجهل البعض التناسخ بينهما فيظن ويتوهم ان بينهما تعارضا واختلافا ، فإذا عرف ان أحدهما ناسخ للآخر زال التعارض وانتفى الإشكال .

خامسا : أن يكون التعارض في فهم السامع ونظر المجتهد لا في كلامه صلى الله عليه وسلم وذلك أن النبي عربي اللسان والدار ، فقد يقول القول عما يرد به العام ، وعاما يرد به الخاص ، ومطلق قد قيده في موضع آخر .

سادسا : الجهل بسعة لسان العرب فإن العرب تسمي الشئ الواحد بالأسماء الكثيرة ، وتسمي بالإسم الواحد المعاني الكثيرة ، وبلسانها نزل القرآن وجائت السنة ، فمن جهل ذلك اختلف عنده العلم بالكتاب والسنة .


الجمع بين النصوص في حالة التعارض:
عند وجود دليلين ظاهرهما التعارض نحاول إزالة التعارض بأحد هذه الأمور على الترتيب ( الجمع - النسخ - الترجيح )
يعني نبدأ بالجمع فإن لم نستطع الجمع بينهما بحال من الأحوال ننظهر هل بينهما ناسخ ومنسوخ أم لا ،فإن لم يكن هناك دليل على النسخ نلجأ للترجيح .

1- الجمع بينهما :
فلو كان عندنا نصين متساويين في الثبوت فيلجأ المجتهد للجمع بينهما
والجمع يكون من المجتهد فقط .
( يعني مش أي شخص يقدر يجمع بين النصوص لازم يكون عالم مجتهد )

مثال ذلك: ورد في الأحاديث عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط)
يعني: لا يجوز أن يتبول المرء ولا أن يتغوط وهو مستقبل القبلة أو مستدبرها،
قال أبو أيوب الأنصاري : (فذهبنا إلى الشام فوجدنا الكنف -المراحيض- مستقبله بين بيت المقدس مستديرة الكعبة، قال: فكنا ننحرف ونستغفر الله)، أي: نستدير حتى لا نستقبل ولا نستدبر.
فهذا الحديث يدل على تحريم استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط، وهو على عمومه، سواء كان ذلك في الصحراء أو في غير الصحراء، في الكنف (أي الحمام أعزكم الله ) أو في غير الكنف.
وجاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: (صعدت على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبلاً بيت المقدس مستدبراً القبلة).
إذاً: فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا ظاهره أنه يخالف قوله، فقد حرم على الناس أن يستقبلوا القبلة أو يستدبروها.

فللعلماء في الجمع بين هذين الحديثين اللذين ظاهرهما التعارض مسالك كثيرة منها:
الأول: أنه إذا خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم قوله، ففعل النبي خاصه به، والقول على العموم.
إذاً: أبقى النهي على ما هو عليه، وجعل فعل النبي الذي رواه ابن عمر خاص به، وهذا الجمع ضعيف جداً.

الثاني: من العلماء من قال: نرجح الحاظر على المبيح، وحديث أبي أيوب حاظر وحديث ابن عمر مبيح، وهذا أيضاً ضعيف.

الثالث: ما ذهب إليه الشافعي : بالتفريق بين البنيان وغير البنيان، يعني: يفرق بين الكنف والفضاء.

2- النسخ :
فإذا وجد لدينا دليلان، وعلم المتقدم منهما من المتأخر، فإن المتقدم منهما منسوخ، ونعمل بالمتأخر
( مثلا نص كان قبل الهجرة ونص كان بعد الهجرة فنعتبر النص اللي كان قبل الهجرة منسوخ ولا نعمل به ، ونعتبر النص اللي بعد الهجرة ناسخ ونعمل به )

و يعتبر النسخ من أصعب الطرق على المجتهد، لأن معرفة الناسخ من المنسوخ لا بد لها من معرفة التاريخ، ليعرف المتقدم من المتأخر، وصعب جداً على العلماء القول بالنسخ إلا بالتصريح أو بقرائن ظاهرة جداً


مثال ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح نكاح المتعة، ثم حرمت في خيبر كما في حديث علي : (إن الله حرم نكاح المتعة، ولحوم الحمر الأهلية)
ثم أباحها النبي صلى الله عليه وسلم مرةً ثانية،
ثم حرمها إلى الأبد في يوم أوطاس، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حرم الله عليكم نكاح المتعة إلى يوم القيامة)
فهذا النسخ معروف فيه المتقدم والمتأخر، فلا نقول بالجمع هنا، فهو أباح ثم حرم، ثم أباح ثم حرم، فهل هناك جمع؟ لا، ولا يمكن أن نقول أن التحريم على الكراهة.

ومثال آخر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم)، يعني: رجل في نهار رمضان حجم له شخص آخر، فالحاجم والمحجوم له أفطرا، وهذا الحديث يقول به الحنابلة، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية يعني: أيُّ حجامة في الصوم تفطر.
والجمهور على خلاف ذلك، والصحيح هو ما عليه الجمهور؛ أن هذا الحديث منسوخ، لأنه متقدم، قال أنس : مر النبي صلى الله عليه وسلم على جعفر وعلى غيره وهو يحتجم، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم)، ثم قال: (ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة)، وهذا رواه الدارقطني.وعن أبي سعيد الخدري أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في القبلة للصائم والحجامة)
فـ(رخص) معناه: أنه كان قبل ذلك مفطراً، ثم نسخ هذا الحكم، ففيه دلالة على النسخ بمعرفة المتأخر من المتقدم.

3- الترجيح:
والعمل بالراجح وترك المرجوح هو محل إجماع بين أهل العلم
(والراجح هو الأقوى والأصح والمرجوح هو الأضعف )


و هناك أكثر من سبعين وجهاً للترجيح بين الأدلة، و الأدلة لها ترتيب معين، فالنص يقدم على الظاهر، والظاهر يقدم على المؤول، والمحكم يقدم على المتشابه، والمتحقق يقدم على المتوهم، والقول يقدم على الفعل، والمثبت يقدم على النافي، والناقل عن الأصل يقدم على الأصل.وهكذا

فمثلاً: لو قال رجل: الأصل في البيع الإباحة، قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )، وأنت تقول له: بيع الغرر حرام، سيقول لك: لا، الأصل معي، ماذا تقول له؟ نقول: الأصل: الحل عندك، وأنا عندي ناقل من الأصل، وهو نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيوع الغرر، فالذي ينقلنا عن الأصل أقوى من الأصل المبيح.

وإذا لم يتمكن العلماء من إزالة التعارض بالجمع أو النسخ أو الترجيح، فإنهم يبحثون عن دليل مستقل، وإن لم يجدوا فلهم التوقف، فلا يعملون بهذا الدليل، ولا بذاك.

أنواع التعارض :
قبل أن نعرف أنواع التعارض لابد أن نعرف معنى العام والخاص :
العام هو : اللَّفْظ الذي يدلُّ بحسب وضعِه اللُّغوي على شمولِه، واستغراقه لجميع الأفراد، التي يصدُق عليها معناه مِن غير حصْر في كمية معينة منها
فلفظ: "من ألقى" في حديثِ ((مَن ألْقَى سلاحه فهو آمِن)) - لفظٌ عامٌّ يدلُّ على استغراقِ كلِّ فرْد ألقَى سلاحه من غير حصْر في فرْد معيَّن أو أفراد معيَّنين.

والخاص : هو اللفظ الدالُّ على واحِد بعينه

بعد أن عرفنا الفرق بين العام والخاص نتكلم عن أنواع التعارض

1- تعارض عام مع عام :
أن يكون بين دليلين عامين، فإذا أمكن الجمع فهو الأولى، وإن لم يمكن أبحث عن المتقدم والمتأخر بالنص، وإذا لم يمكن وجب الترجيح.
مثال لإمكانية الجمع: قول الله تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) هنا الله جل وعلا نفى عن النبي الهداية، وفي آية أخرى قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ).
الجمع: أن الهداية هدايتان: هداية عامة، وهداية خاصة.

وإن لم يمكن الجمع بينهما، يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، أي إلى أن يظهر مرجح أحدهما، مثاله قوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ} وقوله تعالى {وَأَنْ تجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} فالأول يجوز... جمع الأختين بملك اليمين.
والثاني يحرم ذلك، فرجح التحريم لأنه أحوط.

فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر

2- تعارض خاص مع خاص
جاء في البخاري عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم)،

والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى المحرم أن يتزوج أو يزوج أو يخطب.
فكيف ذلك وميمونة تقول: تزوجني حلالاً، وابن عباس يقول: تزوجها محرماً،

فكيف نجمع بينهما، ونحن لا نعرف المتقدم من المتأخر، وأيهما الراجح؟
حديث ميمونة يقدم على حديث ابن عباس لأكثر من وجه:
الوجه الأول: الراوي أعلم بما روى، وهو أيضاً صاحب القصة، والقاعدة عند المحدثين: صاحب القصة يقدم على غير صاحب القصة، وصاحب القصة هي ميمونة ، وأبو رافع هو السفير بينهما، فيقدم صاحب القصة على قول ابن عباس الذي ليس بصاحب القصة.
الثاني: أن كلام ابن عباس مبيح؛ لأنه يبيح للمحرم أن يتزوج، وهذا يوقع في إشكالية الحديث الحاظر، وهو: نهى النبي صلى الله عليه وسلم للمحرم أن ينكح، وحديث ميمونة لم يقع له إشكال مع أي أحاديث أخرى، فهو متفق مع النهي عن الزواج للمحرم.
إذاً: نرجح أحاديث ميمونة على حديث ابن عباس .

3- تعارض بين عام وخاص:
التعارض بين العام والخاص ضعيف جداً؛ لأنك ستقدم الخاص على العام، فلا تعارض بين عام وخاص؛ لأن الخاص أقوى في الدلالة من العام، فيتقدم الخاص على العام، والأمثلة كثيرة جداً.

مثال ذلك: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (في ما سقت السماء العشر) أي: كل شيء يخرج من الأرض قليلاً كان أو كثيراً، ففيه الزكاة.
لكن جاء حديث آخر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة)، فهذا خاص، والحديث الأول عام، فكيف نجمع بينهما؟
نقدم الخاص على العام، فنقول: فيما سقت السماء العشر إن بلغ خمسة أوسق، وإن كان أقل من خمسة أوسق فلا زكاة فيه، فيقدم الخاص على العام.


الواجب:
س1: مامعنى التعارض وهل ناك تعارض بين الأدلة الشرعية ؟
س2: كيف يكون الجمع بين النصوص في حالة التعارض؟



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )