دورة علم أصول الفقه (20- المصدر الثالث من مصادر التشريع : الإجماع )

 

دورة علم أصول الفقه (20- المصدر الثالث من مصادر التشريع : الإجماع )

 


20- المصدر الثالث من مصادر التشريع : الإجماع

الإجماع لغة هو: العهد والاتفاق،

قال الله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ )، يقال: أجمع المرء على أمر ما، أي: عزم على فعله.


وفي الاصطلاح هو: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي.

فإذا نزلت نازلة من النوازل، فنظر فيها فقهاء الصحابة أو فقهاء التابعين، فاجتمع رأيهم على حكم شرعي لهذه النازلة، وقالوا: إنها تحرم، أو أنها واجبة، أو أنها مستحبة، فهذا يسمى إجماعاًًً.

قوله: (اتفاق مجتهدي هذه الأمة): يخرج بالمجتهد: المقلد ( يعني عوام الناس اللي بيقلدوا رأي عالم وبياخدوا برأيه ) ، فلو اتفق المقلدة بأسرهم على مسألة ما فلا عبرة بإجماعهم، ويخرج بالمجتهد أيضاً: طالب العلم؛ لأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مقلد، وعالم مجتهد، ووسط، وهو طالب العلم المتبع، الذي يعلم المسألة عن قول إمام بدليله.

و ( اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم ) يخرج به: اتفاق الأمم السابقة، فلو اجتمعت كل الأمم السابقة فلا يؤخذ بإجماعهم.


قوله: (بعد وفاته)، أي: أنه لا إجماع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته هو الحاكم، وسنته هي الحاكمة .


قوله: (على حكم شرعي) خرج بذلك: الحكم الوضعي، فالحكم الشرعي يدور على خمسة أحكام: واجب، مستحب، مباح، مكروه، محرم.


وذهب بعض الأئمة كالإمام احمد بان حنبل أن الإجماع لا يمكن تحققه إلا في عصر الصحابة لأن عددهم كان قليلا ويمكن تجمعهم في مكان واحد وكانوا الفقهاء منهم معروفين بأشخاصهم واسمائهم

لكن بعد هذا العصر تفرق الفقهاء وحملة السنة النبوية في الأرض واصبح اجتماعهم صعبا ، فلا يقال أنهم اجمعوا على كذا بل نقول لا اعلم في هذه المسألة خلافا بين الفقهاء

حجية الإجماع
الإجماع حجة

أما حجيته بالكتاب: فقال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) فهذا دليل على الإجماع
ووجه الشاهد هنا: مفهوم المخالفة، أي: أنكم إذا تنازعتم ولستم على الحق، فردوا الأمر إلى الله وإلى الرسول يظهر لكم الحق، فإن لم تتنازعوا فأنتم على حق، فمفهوم المخالفة في دليل الخطاب يدل على أنهم على حق مع عدم التنازع.

وكذلك: قول الله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) فقوله: ( أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ )
أي: أن الله جل وعلا جعل هذه الأمة وسطاً، وجعلها شهداء على الناس، والشاهد الذي يرضاه الله جل وعلا لا يجتمع إلا على حق.

وكذلك: قول الله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ).
فسبيل المؤمنين -الذي هو الاجتماع- هو الحق؛ لأن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين، فدل هذا على الإجماع وحجيته.

وأما حجيته بالسنة:
حديث متواتر وهو في الصحيحين: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم) فهذا الحديث فيه دلالة على أن هناك طائفة ستوفق للحق، وحتى لو خالفها من خالفها، فهم على الحق.
إذاً: فاجتماعهم يكون حق وحجة، والطائفة التي تجتمع على الحق هم صفوة الأمة؛ لأننا قلنا: مجتهدي هذه الأمة، فإن لم تكن طائفة المجتهدين هم الطائفة التي تظهر على الحق فمن سيكون غيرهم؟!

وأما دليل حجية الإجماع من النظر ( يعني أدلة العقل )

فإن الله جل وعلا جعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وجعل أفضل صحبة صاحبت النبي صلى الله عليه وسلم هي هذه الصحبة، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ )

فمن لوازم خيرية هذه الأمة أنها إذا اجتمعت لا تجتمع إلا على الحق، وهذا من تمام الخيرية ولوازمها.


أنواع الإجماع باعتبار الدلالة
الإجماع نوعان: إجماع قطعي، وإجماع ظني.

الأول: الإجماع القطعي:

وهو الذي أجمعت عليه الأمة بالضرورة،

كالإجماع على وجوب الصلاة، والإجماع على تحريم الزنا، والإجماع على تحريم السرقة، فهذا إجماع قطعي؛ لأنه لا يحتاج إلى استنباط ولا استقراء ولا دقة نظر في الأدلة.

وقد تواترت أقوال أهل العلم والمحققين من أهل الأصول على تكفير من أنكره

الثاني: الإجماع الظني:

وهو الذي يحتاج إلى استقراء وتتبع واجتهاد ودقة نظر في الأدلة، وهذا لا يعرفه كثير من الناس.
ومثاله: إجماع الأمة على أن الجد له في الميراث السدس.

ومن أنكر الإجماع الظني فإنه لا يكفر بل لا يفسق

أنواع الإجماع باعتبار التصريح وغيره
الإجماع من حيث التصريح وغيره فهو نوعان: إجماع صريح، وإجماع سكوتي.

الأول: الإجماع الصريح:
وهو الذي صرح فيه كل إمام عالم مفت مجتهد من هذه الأمة بالحكم الشرعي.

مثال ذلك: وقع في عصر الصحابة: أن امرأةً جاعت فأرادت أن تأكل فزنت بدرهمين، فجاء عمر بن الخطاب ليجلدها، ولما تكلم معها علم أنها لم تكن تعلم أن الزنا حرام، فقال عمر بن الخطاب : هي جاهلة بالحكم فلا تجلد، فوافقه الصحابة وقالوا: لا تجلد، فهذا إجماع صريح.

الثاني: الإجماع السكوتي:
وهو أن يسكت علماء العصر على فتوى لمجتهد من المجتهدين دون إنكار،

كأن يصل إلى العلماء أن العالم المجتهد الفلاني قال: بتحريم نقل الأعضاء، كبيع الكلى، فسكتوا، فالسكوت هنا معناه الرضا، وهذا يسمى إجماعاً سكوتياًًً.

وهذا الإجماع اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه إجماع وهو حجة.
قول الأحناف والحنابلة فقالوا: إنه إذا مرت الفتوى على عالم فلم ينكرها دل ذلك على أنه رضي بها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذنها صماتها) أي: سكوت المرأة إذن منها؛ ولذلك قالوا: السكوت علامة الرضا، وقالوا: الأصل عدم الاحتمالات

القول الثاني: أنه ليس بإجماع وليس بحجة وهذا قول الشافعية والمالكية.
وأدلتهم في ذلك: القاعدة التي قعدها الإمام الشافعي من النظر: أنه لا ينسب لساكت قول -فأول من تكلم في القواعد الفقهية هو الشافعي ، كما أنه أول من كتب في الأصول، وأول قاعدة تكلم بها الشافعي : لا ينسب لساكت قول- فإذا انتقلت الفتوى إلى إمام وسكت عنها فلا يكون حجة؛ لأن هناك احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يكون ذهل عن المسألة، لشغله بشيء آخر، ولم يفت فيها.
الاحتمال الثاني: أن يكون خائفاً من جَوْر السلطان، كمن عايش العصر العباسي، فيصعب عليه أن يفتي بفتوى مخالفة، كما جلد الإمام مالك على فتوى أفتاها في تحريم نكاح المتعة؛ لأنهم ينقلون عن ابن عباس أنه يقول: بإباحة نكاح المتعة، فلم يكن يستطيع أحد من العلماء أن يقولها جهاراً، فقالها الإمام مالك فجلدوه.
الاحتمال الثالث: أنه سكت؛ لأنه لم يترجح له شيء في المسألة فتوقف، فهذه احتمالات تبين أن الساكت لم يقر على هذه الفتوى.

القول الثالث: أنه ليس بإجماع لكنه حجة.

وهو قول بعض الشافعية من المحققين وبعض الأحناف: أنه ليس بإجماع، لكنه حجة ظنية لا يلزم العمل به.

ومعنى هذا: أن الحجة الظنية يسوغ الاختلاف فيها، أما الإجماع القطعي فلا يجوز الاختلاف عليه، وهذا هو الفارق، فهذا القول قول وسط بين القولين، وهو الصحيح والراجح،

ولو قال قائل: بأنهم إذا سكتوا على فتوى وعلمنا يقيناً أن هذه الفتوى بلغت العلماء، وانقرض عصر هؤلاء العلماء، فإنه يكون إجماعاًً. لما أبعد. ولكن القول الثالث: هو الراجح والصحيح.

مستند الإجماع :

اتفق العلماء على أن الإجماع ليس أصلا مستقلا بل لا بد أن يكون له دليل
فإن كان مستند الإجماع الكتاب صح ذلك،

ومثاله: تحريم الأم، فهذا مستنده الكتاب.


وقد يكون الإجماع مستنده السنة،
كإعطاء الجد السدس، وإعطاء الجدة السدس.


أما إن كان مستند الإجماع الاجتهاد، فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: عدم الصحة، وأنه ليس بحجة.


القول الثاني: وهو القول الراجح والصحيح: أنه حجة؛ لقول الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ) وأولي الأمر هنا: العلماء.

فدل ذلك أنه حجة، وأنه لو رد إلى أولي الأمر، واستنبطوه فاتفقوا فهو إجماع، فهذه الآية فيها دلالة على أن الإجماع الذي استند إلى الاجتهاد أنه حجة.

أمثلة على الإجماع :
-عدم ميراث ابن الإبن مع وجود الابن

- الإجماع على أن المراد بالأخ والأخت في آية الكلالة الأولى أولاد الأم فقط ، وفي آية الكلالة الثانية المراد بمهما الأشقاء وأولاد الأب .

- صحة عقد الزواج بدون تسمية المهر ، والواجب عندها مهر المثل .

- تبعية الولد لأمه في الرق والحرية ولأبيه في النسب.

وغيرها كثير بعضها لم بُعلم فيه خلاف أصلا وبعضها خالف فيه بعض الفقهاء .


الواجب:
س1: ما هي أنواع الإجماع باعتبار الدلالة ( عرفي كل نوعى )؟
س2: ماهي أنواع الإجماع باعتبار التصريح وغيره ( عرفي كل نوع ) ؟
س3: ماهو مستند الإجماع ؟



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )