دورة علم أصول الفقه ( 24- الاستصحاب )

 

دورة علم أصول الفقه ( 24- الاستصحاب )


24- الاستصحاب


نتكلم عن دليل جديد، وإن اختلف العلماء فيه، هل هو دليل أم لا؟ وهو دليل الاستصحاب.


الاستصحاب لغة: هو طلب المصاحبة مع الاستمرار فيها.
وفي الاصطلاح: طلب استدامة إثبات ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً.
أو هو: بقاء ما كان على ما كان
بمعنى: إذا كان شيء ثابتا فيما مضى فاعتبرته باقيا وموجودا إلى الآن فهذا هو الاستصحاب .

فإذا سئل المجتهد عن حكم عقد أو تصرف، ولم يجد نصا في القرآن أو السنة ولا دليلا شرعيا يطلق على حكمه، حكم بإباحة هذا العقد أو التصرف بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهي الحال التي خلق الله عليها ما في الأرض جميعه، فما لم يقم دليل على تغيرها فالشيء على إباحته الأصلية.

فمثلاً: كل ماء نزل من السماء فهو طهور، أي: كل ما نزل من السماء من ماء فهو طهور لا يتغير، وذلك حتى يأتينا دليل على التغير من الطهورية إلى النجاسة
فهذا معنى: استدامة ما كان ثابتاً على ما هو عليه، أو ما كان منفياً على ما هو عليه

كذلك الأصل عدم اتهام المرء بالسرقة، فكل إنسان بريء من الاتهام بالسرقة حتى تثبت الإدانة، وتثبت هذه السرقة، وهو معنى الاستصحاب.

هل هو دليل أم لا؟
الاستصحاب آخر دليل شرعي يلجأ إليه المجتهد لمعرفة حكم ما عرض له

الاتفاق المشترك بين الأئمة الأربعة على أنه دليل دفع، وقال الجمهور خلافاً للأحناف: إنه دليل دفع وإثبات .
ومعنى دليل إثبات: إثبات الحكم من الناحية الإيجابية، أي إثبات وجوده
والمراد بالدفع : هو إثبات نفي الحكم وانعدامه أو زواله.

مثال ذلك: توضأ رجل فتمضمض واستنشق واستنثر وغسل وجهه، وأتى بالأركان والواجبات والمستحبات، ثم قام يصلي، فنحن على يقين أنه متوضئ، إذاً كل شك أتاه لا يزيل اليقين، ولا يزيل الطهور بحال من الأحوال، فهو دليل للدفع، أي: يدفع كل شك يقطع لنا الطهورية التي فيها الرجل.

مثال يوضح الخلاف وحدوده:
المفقود الذي يغيب عن أهله مدة ولا يعلم مكانه ولا تعلم حياته من موته، إذا مات أحد أقاربه الذين يرثهم أثناء غيابه. هل يرثه المفقود؟
الشافعية على أنه يرث منه، لأنه يحكم هنا باستمرار حياته بدليل استصحاب الحال، فيعتبر حيا، فيرثه، لأن الاستصحاب حجة عندهم.
والحنفية لا يرث عندهم، لأن الاستصحاب غير حجة في الإثبات، فكانت حياته غير ثابتة، مما ينتفي معه شرط الإرث، وهو العلم بحياة الوارث.

ثم هل يورَث المفقود قبل العلم بوفاته؟
الإجماع على عدم إرثه، أما الشافعية فلأن حياته ثابتة بدليل الاستصحاب، فلا يورث لذلك، وأما الحنفية فلأن شرط الإرث العلم بوفاة المورث ولم يثبت هنا، ولأن الأصل عدم الإرث ونفيه، والاستصحاب دليل على النفي والدفع عندهم كما تقدم، لأن العدم يستمر، فلا يورث لذلك.


وعلى الاستصحاب بنيت المبادئ الشرعية الآتية:
- الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
- الأصل في الأشياء الإباحة.
- ما ثبت باليقين لا يزول بالشك.
- الأصل في الإنسان البراءة.

أنواع الاستصحاب:

الاستصحاب على أنواع أربعه:
النوع الأول: استصحاب الإباحة الأصلية في الأشياء.
ومعناه: كل شيء في هذه الدنيا حكمه مباح لنا، سواء من مطعم أو مشرب أو ملبس أو غيرها.


والدليل على ذلك: قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ) فكل شيء خلقه الله جل وعلا لنا، وامتن علينا حيث قال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا )، وقول الله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) فكل هذه الآيات تدل على أن كل شيء من ملبس ومشرب ومأكل حلال مباح.

فمثلاً: إذا حرم رجل التفاح على نفسه فنقول له: ائتنا بدليل الحرمة، فإن الأصل الإباحة، وإذا قال: ما هو الأصل الإباحة؟ فالإجابة: استصحاب الأصل بالدليل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ )

النوع الثاني: استصحاب العدم الأصلي
أي: أن الأصل عدم الإلزام حتى يأتي الدليل بالإلزام، والأصل عدم شغل الذمة بشيء حتى يأتي الدليل على شغل الذمة به،
والعمدة في ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)

مثلاً صاحب متجر جاء إليه رجل، ولم يشتر منه شيء، فقال له: أنا أعطيتك ألف جنية لتعطيني -مثلاً- الخاتم الذي عندك، فقال البائع: ما أعطيتني شيء، فهنا القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم الشراء، والأصل البراءة الأصلية، والأصل مع البائع إلا أن يأتي المشتري بزيد وعبيد، فيشهدا على البائع، ويكون القول قول المشتري؛ لأن الأصل براءة ذمة البائع حتى يأتي الدليل الذي ينقلنا عن هذا الأصل، فجاء الدليل وهي البينة، فنقلتنا عن الأصل إلى ما أثبته الدليل وهو البينة.


النوع الثالث: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي، حتى يثبت خلافه.

مثاله: رجل يسكن في شقة منذ مدة طويلة، فجاء خمسة رجال يريدون إخراجه من هذه الشقة، وذلك بحجة أنها شقتهم، فوجوده في الشقة ثبتت بها الملكية له، والأصل أنه بوصف -أنه موجود فيها- قد ثبتت ملكيته على هذه الشقة، فلا يخرج منها حتى يأتون ببينة.

النوع الرابع: استصحاب الدليل
وذلك يأتي دليل يحرم أو دليل يحل، فنستصحب هذا الدليل، ونعمل به حتى يأتي دليل يناقض هذا الدليل


ومن الأمثلة: الأصل في لبس الحرير الحل، ثم انتقل بدليل من الحل إلى الحرمة بالنسبة للرجال، فأصبح الأصل في لبس الحرير للرجال الحرمة، والدليل: أن الزبير وعبد الرحمن بن عوف اشتكيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحكة، فأذن لهما في لبس الحرير، فهنا مستثنى.
فالأصل الحرمة حتى يأتي دليل على النقل، والنقل جاءنا من الضرورة، وأباح النبي صلى الله عليه وسلم حوالي ثلاثة أصابع خيوط حرير يلبسها الرجال، فهذا يكون نقلني عن استصحاب الأصل، أي: استصحاب الدليل الشرعي، سواء الحرمة أو الوجوب أو غيره.


الواجب:
س1: عرفي الاستصحاب . وهل هو دليل شرعي أم لا ؟
س2: ماهي أنواع الاستصحاب؟



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )