دورة علم أصول الفقه ( 25- شرع من قبلنا )

 

دورة علم أصول الفقه ( 25- شرع من قبلنا )

 
25- شرع من قبلنا

شرع من قبلنا هو:أحكام العبادات والمعاملات وغيرها في الشرائع السماوية السابقة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم والتي نزلت على أحد الأنبياء عليهم السلام .

ولفهم واستيعاب هذا الدليل المختلف فيه نحتاج إلى المسـائـل التالية :
المسألة الأولى :
لا خلاف بين المسلمين أن الشريعة الإسلامية قد نسخت جميع الشرائع السابقة كشريعة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى -عليهم السلام- .
ويدل على هذا قول الله تعالى:( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )



المسألة الثانية :
لا خلاف أنها لم تنسخ تلك الشرائع على وجه التفصيل ؛إذ لم ينسخ وجوب الإيمان بالله وتحريم الزنا والسرقة والقتل والكفر والضروريات الخمس وهي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ المال وحفظ العقل وحفظ العرض .

المسألة الثالثة :
في طرق نقل تلك الشرائع إلينا :
له طريقان :
1- ما نقل إلينا عن طريق كتبهم أو على ألسنة أصحاب تلك الشرائع:
فلا خلاف أن هذا الطريق ليس بحـجـة , ولا يعمل به .
لماذا؟ لأنها محرفة ومبدلة ومغيرة

2- ما نقل إلينا بطريق شرعنا- الكتاب والسنة
و له ثلاث حالات : منها حالتان مجمع على حكمها :

الحالة الأولى: ما قرره شرعنا، وهذا بالاتفاق شرع لنا.
كشرعية الأضحية : قال اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذه الأضاحي؟ قال : «سنة أبيكم إبراهيم » قالوا : فماذا فيها يا رسول الله ؟ قال : «بكل شعرة حسنة » قالوا : فالصوف قال : «بكل شعرة من الصوف حسنة» أحمد والحاكم وصححه.

وكقول الله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ ), وأتى شرعنا يقره, كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) ,
فنقتل من قتل, ونكسر من كسر, ونشج من شج, وزيادة على هذا تخفيفاً على هذه الأمة: لنا أن نأخذ الدية, وولي الدم بخير النظرين في ذلك.

أيضاً من الأحكام التي جاء الشرع بموافقتها: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) ، وشرعنا يقر ذلك.
وغيرها من الأدلة

الحالة الثانية : ما نسخه شرعنا، وهذا باتفاق ليس بشرعٍ لنا.
ومثال ذلك: السجود للمعظم تكريماً له لا عبادةً, كسجود إخوة يوسف عليه السلام له، ولما ذهب معاذ إلى قيصر وكسرى ورآهم يصنعون ذلك له, عاد وسجد للنبي عليه الصلاة والسلام تكريماً له وتعظيماً, فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها), وهذا ناسخ لما ورد عن يعقوب عليه السلام.

كذلك: استقبال القبلة، فقد جاء شرعنا فأقر استقبال بيت المقدس، ثم جاء في شرعنا ما نسخه, فهذا أيضاً ليس شرعاً لنا.

كذلك: في التوراة كان في شرعهم لإزالة النجاسة إذا وقعت على ثوب أحدهم أن يطهرها بالمقاريض، أما في شرعنا فيكفيه أن يغسله حتى تذهب عنه. فهذا ناسخ لشرع من قبلنا.

كذلك: كان في شرعهم أن الغنيمة حتى تقبل تنزل ناراً من السماء فتحرقها, ولما غل أحد بني إسرائيل منها لم يقبلها الله تعالى حتى أعاد ما أخذه منها, , أما في شرعنا فإن الغنيمة توزع على أسهم بينها الله في كتابه, وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأحلت لنا الغنائم), وهذا ناسخ لما قبله.

الحالة الثالثة :ما نُقل بالكتاب أو السنة دون التعرض لمشروعيته أو نسخه. أي ما سكت عنه شرعنا

مثال : الجعالة فقد وردت الجعالة في شرع من قبلنا : {قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72)}. فهذه الآية تدل على مشروعية الجعالة في شريعة يوسف عليه السلام.
والجعالة : هي أن يجعل جائزُ التصرف شيئا معلوما لمن يعمل له عملا معلوما أو مجهولا مدة معلومة أو مجهولة ، مثل أن يقول : من بنى هذا الحائط فله كذا وكذا ، أو من وجد ابني الضائع فله كذا .

فهل نعمل بها في شريعة الإسلام أم لا ؟
في هذا النوع خلاف بين العلماء


اختلف العلماء في شرع من قبلنا الذي نُقل بالكتاب أو السنة دون التعرض لمشروعيته أو نسخه.على أقوال ثلاثة:

القول الأول: شرع لنا مطلقاً
القول الأول: شرع من قبلنا من الأحكام التي أنزلها الله على الأمم السابقة هي شرع لنا مطلقاً.


واستدلوا بأدلة من الأثر وهي:

الدليل الأول: قول الله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ )،
فهذا دليل واضح ناصع على أن الله تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بموسى وإبراهيم وعيسى.


الدليل الثاني: قول الله تعالى:
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ.. ) الآية,
ولما تحاكم أنس للنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا أنس ! كتاب الله القصاص)، أي: أن السن بالسن؛ فدل ذلك على أنه حكم بشرع من قبلنا, وهو: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا.. ),أي: في التوراة: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. )، إلى أن قال: (وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ.. ) ، أي: أن السن بالسن راجع إلى هذه الآية التي تبين لنا حكم السن في التوراة (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ.. ) إلى آخر الآية.

الدليل الثالث: قوله في الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها, ثم قرأ قول الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي )), وهذه الآية خاصة بموسى عليه السلام؛ فقرروا أن كل رسول جاء من عند الله تعالى جاء بشرائع حقة, وعلى النبي أن يتبع ما جاء به هؤلاء من الشرائع.

القول الثاني: ليس بشرع لنا مطلقاً
القول الثاني: أنه ليس بشرع لنا مطلقاً

واستدلوا على ذلك بأدلة:


الدليل الأول: قول الله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ),
اليهود لهم شرعة ومنهاجاً, والنصارى لهم شرعة ومنهاجاً, وشرعة محمد جاءت ناسخة لكل ما كان قبلها من الشرائع السماوية.

الدليل الثاني: أن هذا يلزم منه أن جميع الأمة لابد أن تتعلم شرع من قبلنا, ويكون هذا العلم فرض كفاية علينا، فيتعلمه أحدنا حتى يعلمنا ونعمل به, ويكون شرع من قبلنا حجة علينا.

الدليل الثالث: وهو من الأدلة القوية: أنه لو كانت شرائع من قبلنا حجة علينا ما انتظر النبي صلى الله عليه وسلم نزول الوحي عليه في مسألة من المسائل النازلة؛ لأن في شرع من قبلنا الحكم؛ فيحكم ويعمل به, وهذا دليل قوي.

القول الثالث: التفصيل
القول الثالث: وهو قول جمهور علماء الأمَّة ، وهو أنَّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا إلاَّ ما نُسِخَ مِنه ،

وهذا قول الحنفيَّة والمشهور عند المالكيَّة والشافعيَّة ، ورواية عن الإمام أحمد
فشريعة إبراهيم وما ورد في القرآن والسنة من شرائع الأنبياء على وجه المدح والتقرير والسكوت عليه دون مخالفة فهو حجة يجب الأخذ بها لقول الله تعالى: ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) {النحل: 123}.



والراجح ـ إن شاء الله تعالى ـ هو مذهب الجمهور لكثرة الأدلة ووضوحها وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا مالم يكن في شرعنا ما يخالفه، كما قال أهل العلم.


الواجب:
س1: ما نقل إلينا من شرع ما قبلنا له حالات اذكريها .
س2: هل شرع ما قبلنا حجة أم لا ؟



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )