دورة علم أصول الفقه ( 26 - قول الصحابي )

 

دورة علم أصول الفقه ( 26 - قول الصحابي )

 
26 - قول الصحابي
وهو من مصادر التشريع الإسلامي الثانوية ولكن ليس مصدراً مستقلاً في الجملة بل تابع للسنة
وهو من المصادر المختلف في حجيتها
وفي الغالب أنه حجة لأنه يكون مفسراً للقرآن والسنة في كثير من الأحيان
بل قد يكون مصدراً فيما لم يأت به دليل من الوحيين لأن من الصحابة الخلفاء الراشدين الذين أوصى النبي باتباعهم فقال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.. " الحديث.

فلو احتج علي أحد بشرع من قبلنا فرددت عليه بسنة فإن السنة أقوى، ويليها قول الصحابي .

والصحابي هو: كل من لقي الرسول عليه الصلاة والسلام مؤمناً به ومات على ذلك؛ ليدخل بذلك الأعمى.

ورؤية النبي عليه الصلاة والسلام لا يعادلها شيء؛ لذلك قال العلماء: أنتم تتغنون بـعمر بن عبد العزيز وتفضلونه على معاوية , ورؤية واحدة رأى فيها معاوية النبي عليه الصلاة والسلام خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته أجمعين. فإن كان راءه فهو صحابي؛ فإن لم يره فهو معاصره.

وتتجلّى أهمية قول الصحابي في كون الصحابة عموماً عاصروا النبوة وأخذوا عن النبي بلا واسطة ،
وفهموا كثيراً من القضايا الهامة في التشريع الإسلامي
وعاينوا النبي في جميع أحواله في حله وترحاله في غضبه ورضاه في علاقته مع المجتمع من حوله
وتتجللى أيضاً في حفظهم للسنة التي لا تُعلم إلا بنقلهم لها ولولا الله ثم هم لضاعت كثير من القضايا الشرعية التي ورد بها نصوص كثيرة لاتُعلم إلا من قول الصحابة
وكذلك لأنهم لايَصدرون من أنفسهم فتجد أنهم يتمثلون السنة النبوية عملاً بالدليل فكانت أفعالهم كالحجة التي لابد أن تُعلم وتدرس دراسة متأنية فاحصه لها مدلولها البليغ في الدين الإسلامي.

قول الصحابي في مسألةٍ لم يأت بها الكتاب ولا السنة، لكن وجدنا كلاماً لابن عمر أو لابن مسعود أو لابن عمرو بن العاص أو لمعاوية أو لغيرهم من الصحابة ، فهل هو حجة يلزمنا العمل به أم لا؟

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه حجة مطلقاً, وتقديمه على القياس إذا عارضه
ودليلهم : أن الله تعالى قد عدل الصحابة فقال: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ),فجاءت عدالتهم من السماء,

والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (النجوم أمنة للسماء أن تزول، وأنا أمنة لأصحابي؛ فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون, وأصحابي أمنة لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد),

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً: (لا تسبوا أصحابي, لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً لم يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه),
فهذا يدل على أنهم أعلم الناس بنصوص الكتاب والسنة، وبما تدل عليه الشريعة ومقاصدها, وهم أفصح العرب وأعلمهم بشريعة الله تعالى.

القول الثاني: ليس بحجة مطلقاً ولكنه معتبر من غير إلزام .
قالوا: إنما الحجة في كتاب الله وسنة نبيه, والله قال: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ),

وقال: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا ),

وقال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ )؛
فكانت الحجة في كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام, ولا حجة على كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.
وقالوا: لو قلتم بحجية قول الصحابي فأنتم تأخذون بقول غير معصوم, ونحن لا نلتزم بقول غير قول المعصوم عليه الصلاة والسلام, ولو أنه اجتهد فأخطأ فإن الله تعالى ينبهه على الخطأ، وهذا على عكس من الصحابي؛ لذا كان قوله ليس بحجة مطلقاً.

القول الثالث: التفصيل.
وهو القول الراجح والصحيح, وهو: أن أقوال الصحابة تنقسم إلى أقسام:

1- إخبار وقول الصحابي بأمور غيبية أو لا مجال للرأي فيه لأنه حكم غير معقول المعنى
وقد اختلف العلماء في مثل ذلك, والقول الصحيح الراجح: أنه مرفوع بضوابط أو بقيود أو بشهود:
ألا يكون هذا الصحابي يأخذ من أهل الكتاب، مثل: عبد الله بن عمرو بن العاص , وذلك للصحيفة التي وجدها عن أهل الكتاب، فلا نأخذ منه ولا نقول هذا مرفوع؛ لأنه من المحتمل أن يكون أخذه من أهل الكتاب، وقد كان يأخذ عن بني إسرائيل.
إذاً: القول الأول: إن كان قول الصحابي من الغيبيات, وكان لا يأخذ من بني إسرائيل فهو حجة، وله حكم المرفوع.

مثل: (ما بين السماء الأولى والثانية خمسمائة عام- إلى أن قال- والله فوق العرش عالم ما أنتم عليه).

أو كأن يفتي الصحابي بأن مكان سورة كذا قبل سورة كذا أو بعده، فإن ذلك أمر تعبدي توقيفي لا مجال للرأي فيه، وهذا النوع حجة عند جميع الفقهاء دون خلاف، لأنه في حكم الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والحديث المرفوع حجة بالإجماع، فكذلك هذا.

2- قول الصحابي إذا خالفه غيره من الصحابة:
فيذهب الصحابي إلى قول معقول المعنى يصلح للاجتهاد والنظر فيه ويخالفه فيه غيره من الصحابة وينازعه فيه
إذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم لم يكن قول بعضهم حجة على بعض،
ولم يجز للمجتهد بعدهم أن يقلد بعضهم،
بل الواجب في هذه الحالة التخير من أقوالهم بحسب الدليل -عند الأكثر- ولا يجوز الخروج عنها.

مثل: عمر بن الخطاب لما أمضى طلاق الثلاث ثلاثاً, فقد اختلف الصحابة في هذا؛ فيكون ليس بحجة ملزمة, ولا حجة لواحد على الآخر.

3- أن تجتمع كلمة الصحابة على شيء من فعل الخلفاء الراشدين، فهو حجة
لقول النبي عليه الصلاة والسلام (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي, عضوا عليها بالنواجذ).


4- أن يذهب الصحابي إلى قول معقول المعنى داخل في حدود الاجتهاد، فيوافقه عليه الصحابة جميعا دون خلاف، قولا أو سكوتا
فإن هذا النوع حجة عند جمهور المسلمين، لأنه داخل في حد الإجماع القولي أو السكوتي، والإجماع القولي حجة كما تقدم بالإجماع، وكذلك الإجماع السكوتي عند الجمهور، فيكون قول الصحابي هذا حجة لذلك.

5- قول الصحابي فيما عدا ذلك :
قول الصحابي إذا لم يخالفه أحد من الصحابة ولم يشتهر بينهم، أو لم يُعلم هل اشتهر أو لا؟ وكان للرأي فيه مجال، فقول الأئمة الأربعة وجمهور الأمة: أنه حجة .
قال ابن تيمية:
"وإن قال بعضهم قولاً ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد - في المشهور عنه - والشافعي في أحد قوليه، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع، ولكن من الناس من يقول: هذا هو القول القديم".

ضوابط وشروط الاحتجاج بقول الصحابي :

يمكن تحرير محل النزاع في قول الصحابي فيما يأتي:
أ- أن يكون في المسائل الاجتهادية،
أما قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه فله حكم الرفع.

ب- ألا يخالفه غيره من الصحابة،
فإن خالفه غيره اجتهد في أرجح القولين بالدليل.

جـ- ألا يشتهر هذا القول
فإن اشتهر -ولم يخالفه أحد من الصحابة- كان إجماعًا عند جماهير العلماء.

يضاف إلى ذلك شرطان:
أولهما: ألا يخالف نصًا.
قول الصحابي الذي ذهب الأئمة إلى الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للنص، إذ من المستبعد أن يخالف الصحابي نصًا ولا يخالفه صحابي آخر.
فلا يكون حينئذ قول بعضهم حجة؛ إذ كلا القولين يحتمل الصواب.

ثانيهماً: ألا يكون معارضًا بالقياس.
قول الصحابي الذي اتفق الأئمة على الاحتجاج به لا يكون مخالفًا للقياس.
أما إن كان مخالفًا للقياس:
فالأكثر على أنه يحمل على التوقيف؛ لأنه لا يمكن أن يخالف الصحابي القياس باجتهاد من عنده.
وقول الصحابي المخالف للقياس - عند هؤلاء - مقدم على القياس؛ لأنه نص والنص مقدم على القياس، وقد تعارض دليلان والأخذ بأقوى الدليلين متعين.
وذهب بعض الأئمة إلى أن قول الصحابي لا يكون حجة إذا خالف القياس؛ لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس، وهو لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض.

بتلك الضوابط وبهذين الشرطين ذهب الأئمة إلى الاحتجاج بقول الصحابي.



الواجب :
س1: ماهي حجية قول الصحابي في مسألةٍ لم يأت بها الكتاب ولا السنة ؟
س2: ماهي ضوابط وشروط الاحتجاج بقول الصحابي ؟

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )