دورة علم أصول الفقه ( 27- العرف )

 

دورة علم أصول الفقه ( 27- العرف )


27- العرف
ممكن يتعجب البعض أن من مصادر التشريع الاسلامي العرف
لكن جاء الشرع برفع الحرج والتخفيف عن الأمة المسلمة ومراعاة مصالح العباد في دينهم ودنياهم
فما كان من أمر الدنيا فهو راجع إلى ما تعارف عليه الناس، ولذلك لا يجوز الحظر على شيء من أمور الدنيا إلا إذا خالف نصاً شرعياً أو أدى إلى مفسدة راجحة

والعرف منه ما هو عرف دنيوي ومنه ما هو عرف ديني.
فالدنيوي: ما تعارف عليه الناس من أقوال أو أفعال،
والديني: ما علق الشارع الحكم فيه على لفظ لم يجعل له حداً شرعياً ولا لغوياً.
والفرق بينهما أن الأعراف الدينية جاء النص بها، ولكنه أطلقها في بعض المواضع.

والعرف يؤخذ به في الناحية الشرعية إن كان صحيحاً لا إن كان فاسداً
فالعرف ينقسم باعتباره شرعاً إلى صحيح وفاسد
والعرف الصحيح : هو ما اعتاده الناس دون أن يصادم الشرع، فلا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً

والعرف الفاسد: هو ما اعتاده الناس ولكنه يحل حراماً أو يحرم حلالاً
كتعارفهم على بعض العقود الربوية ونحو ذلك
والعرف لا يكون دليلاً مستقلاً إلا عند مجيء الحكم الشرعي معلقاً على لفظ لم يحده الشرع ولا اللغة.


تعريف العرف :

العرف لغة: المتعارف عليه بين الناس.
واصطلاحاً: ما استقرت عليه نفوس الناس، وتلقته طباعهم السليمة بالقبول، وصار عندهم شائعاً في جميع البلاد، أو بعضها، من غير حظر من الشارع، قولاً كان، أو فعلاً أو تركا

فهذا يشمل العرف العملي والعرف القولي
والعرف العملي، مثل: اعتياد الناس بيع المعاطاة من غير وجود صيغة لفظية،
وتعارفهم قسمة المهر في الزواج إلى مقدم ومؤخر

والعرف القولي مثل: تعارف الناس إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى
وعدم إطلاق لفظ اللحم على السمك
وإطلاق لفظ الدابة على الفرس

الفرق بين العرف والعادة
العرف والعادة عند الفقهاء بمعنى واحد
والفرق بين العرف والعادة:

أن العادة هي: الشيء المألوف سواء كان عند فرد أو جماعة.
وأما العرف فهو: الشيء المألوف الخاص بجماعة.
وعليه فإن العادة أعم من العرف، فكل عرف عادة، وليس كل عادة عرفاً.

شروط اعتبار العرف في الأمور الدنيوية
الأعراف الدنيوية أقوال وأفعال، وحتى تعتبر هذه الأعراف لا بد لها من قيود:

القيد الأول: ألا يخالف دليلاً شرعياً
لأن هناك كثير من الناس يقعون في مسائل ولا يعرفون هل فيها سعة من الشرع أو تضييقاً من الشرع؟
فلا بد لكي يكون العرف معتبراً في المجتمع -مجتمع الإسكندرية مثلاً- مأخوذاً به: ألا يخالف دليلاً شرعياً.
فقولنا: (ألا يخالف دليلاً شرعياً) خرج به: أعراف الجاهلية
كالاستبضاع، وهو: أن تذهب المرأة لأكثر من واحد، فتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية فيطؤها، وتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية الآخر فيطؤها، وهذا ما يسمى بـ(تشريف النسب)، فجاء الشارع وألغى هذا، واعتبره سفاحاً لا يجوز.
أيضاً: كانوا يتعاملون بنكاح المتعة، ثم جاء الشرع فألغاه.

وأيضاً: المضاربة، فقد كانت معروفة قبل الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضارب بمال خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فجاء الشرع فأقر هذا العرف.

القيد الثاني: ألا يؤدي إلى مفسدة.

فلو قلنا -على سبيل المثال- بأن الراجح أن الفخذ ليس بعورة كما بينا فقهياً، وكان في عرف المجتهد: أن كل الشباب يمشون في الشارع بالشورت، وهو: البنطلون القصير، فلا نقول: إن العرف هنا يحكم أو العادة محكمة؛ لأنه سيؤدي إلى مفسدة، وهي: فتنة النساء بهؤلاء الرجال،
وكذا لا يعني العرف: أن كل إنسان حر ما لم يضر؛ لأنه سيضر وسيؤدي إلى مفسدة، فالعرف لو أدى إلى مفسدة لا بد أن يلغى.


القيد الثالث: أن يفضي إلى مصلحة راجحة.

ومثال ذلك: بيع السلم والمضاربة .

العرف الديني
العرف الديني هو: أن يعلق الشارع الحكم على لفظ لم يجعل له حداً شرعياً ولا لغوياً.

والقاعدة عند العلماء: ما لم يحده الشرع تحده اللغة، وما لم تحده اللغة يحده العرف، وهذا هو الترتيب الصحيح.


مثال ما حده الشرع: الصلاة: فالصلاة لها حد شرعي وحد لغوي، فهي أعم في اللغة، ولكن حدها في الشرع هو: حركات مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا قال الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) فقام رجل ورفع يديه ودعا، فقد أخطأ؛ لأن هذا هو الحد اللغوي، ونحن نقول: إن الحد الشرعي يقدم.


كذلك: قال الله تعالى: ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) هذه لها حد شرعي وهو: اثنين ونصف في المائة بعد بلوغ النصاب وحولان الحول.

وأيضاً: قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) له حد شرعي.

والذي حد لغوياً: كالشمس، فالشمس لها حد معروف في اللغة، وكذلك القمر، والليل، والنهار.

الأحكام التي علقت على اللفظ ولم تحد شرعاً ولا لغةً


هناك أحكام علقها الشارع على ألفاظ، وهذه الألفاظ ليس لها حد شرعي ولا لغوي

وأمثلة ذلك:


قال الله تعالى عن كفارة اليمين: ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ )
ولا يوجد تحرير رقبة الآن، فلو وجد رجل ميسور وأقسم يميناً فوجد غيره هو أفضل منه، نقول له: ائت الذي هو خير، ثم كفر عن يمينك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والتكفير بإطعام عشرة مساكين يكون كما قال تعالى: (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ... ) ، وهذا حسب العرف.
فمثلاً: الذي يسكن في مبنى بآلاف، وهو يطعم أهله كل يوم لحماً أو سمكاً أو دجاجاً فلما يكفر نقول له: كفر من أوسط ما تطعم أهلك.
ومثلاً: رجل في منطقة شعبية فقيرة ما عنده طعام إلا ما أعطاه الله جل وعلا لسد حاجته، فنقول له: أطعمهم البر أو الشعير، أطعمهم من أوسط ما تطعم منه أهلك،
ولو الكل يأكل قشر الفول وليس الفول، فإذا أطعمت فأطعم بقشر الفول، المهم أنك تطعم من أوسط ما تطعم به أهلك.

أيضاً: قول الله تعالى: ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) والتراضي عمل قلبي، فالأعراف تتحكم فيه وتدل عليه.
ومن أمثلة العرف المتراضي عنه: أن الضرب على القفا عندنا في مصر عيب كبير، وفي ليبيا يسلم بعضهم على بعض بالضرب على القفا، وفي لبنان يقال: احلق له، بمعنى: مشيه، فانظر إلى الأعراف في لبنان، احلق له: أي مشيه، وهذا غير مستصاغ هنا، لكن التسليم في ليبيا بالقفا، وأنت لو ضربت صعيدياً بالقفا يمكن أن يقتلك، فالأعراف تختلف، والمسألة تدور مع العرف، والعرف يتحكم في كل مجتمع من المجتمعات


وهناك أعراف من السنة علق الحكم فيها على لفظ لم يحد شرعاً ولا لغة: كالحديث في الصحيح: أن هند رضي الله عنها وأرضاها جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح) فطلبت أن تأخذ المال لها ولأولادها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)
أي: إذا كان المعروف في المدينة أو في مكة أن عشرة دنانير تكفيك وولدك، فإذا أخذت عشرة دنانير ونصف دينار، ظلمت وتعديت، فتأخذ بحد العرف.

شروط العمل بالعرف الديني


أولاً: أن يكون الحكم في المسألة هو حكم الشرع، أي: جاء من كتاب أو سنة أو إجماع.

ثانياً: أن يكون الحكم معلقاً بلفظ غير محدود شرعاً ولا لغة كما بينا.

الثالث: أن يكون اللفظ مطلقاً، وهو لا يبعد كثيراً عن الثاني؛ ولذلك قعد الفقهاء قاعدة فقالوا: كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف.

مثال ذلك: الحرز في السرقة، فإذا أردت أن تقيم الحد على سارق، وتقطع يده فلا بد من شروط، وهي:
الأول: ثبوت هذا بوجود الشهود.
الثاني: أن يكون بلغ النصاب، أي: فوق ربع دينار.
الثالث: أن يكون في حرز، والحرز قد يكون في خزنة، وكذلك الجيب عند الناس حرز، فلو سرق مالاً بنصف دينار أو ربع دينار من جيب رجل فهذا سارق تقطع يده.
إذاً: الحرز ما كان العرف يقول: بأنه حرز، وهو الذي به يقام عليه الحد.

العرف ليس دليلاً شرعياً مستقلاً

الصحيح: أن العرف ليس دليلاً شرعياً مستقلاً، ولكن عندما يأتينا حكم الشرع ويعلق على لفظ لم يحد لغة ولا شرعاً، فالعرف هنا دليل مستقل.

فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة في الصحيح: (لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار) أو (قطع النبي صلى الله عليه وسلم اليد في ثمن المجن) وكان ثمن المجن يقارب الربع الدينار، فنقول: قطع على أنه سرق من حرز مثله، والعرف هو الذي يحدد لنا الحرز؛ لأن الشرع لم يأت بتحديده، واللغة لم تأت بذلك أيضاً، فالعرف هنا هو الذي يحده لنا.

الواجب :
س1: عرفي العرف وماهي أقسامه ؟
س2:ما شروط اعتبار العرف في الأمور الدنيوية ؟
س3: عرفي العرف الديني وماهي شروط العمل به ؟







 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )