دورة علم أصول الفقه ( 29- النسخ )

 

دورة علم أصول الفقه ( 29- النسخ )


29- النسخ
إذا جاء نص شرعي بحكم ، ثم جاء بعده بزمن طويل أو قصير نص آخر يبطل العمل بحكم النص الأول في كل ما يتناوله أو في بعض ، سمي النص الثاني ناسخا والأول منسوخا ، ويسمى إبطال ما بطل من حكم النص كلا أو بعضا نسخا .

و تعريف النسخ: هو رفع الحكم الشرعي المتقدم بخطاب متأخر بحيث لو لم يرد لكان الحكم الأول باقياً. ورفع حكم أي: تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً.

وأركانه ثلاثة:
1- الناسخ
وهو الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما أذن الله به، وعليه فلا يمكن لأحد كائناً من كان أن يدعي نسخ حكم شرعي إلا ببيان من الكتاب أو السنة.

2- المنسوخ عنه:
وهو الحكم المتقدم.

3- المنسوخ إليه:
وهو الحكم المتأخر

مثاله:
صوم يوم عاشوراء كان واجباً في بداية الإسلام، ثم نسخ الله وجوبه بصوم شهر رمضان
فالناسخ هو الله
والمنسوخ عنه: هو صوم يوم عاشوراء
والمنسوخ إليه: صوم شهر رمضان.

والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً.

أما جوازه عقلاً:

فلأن الله بيده الأمر، وله الحكم؛ لأنه الرب المالك، فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته، وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعباده أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم، والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان، فقد يكون الحكم في وقت أو حال أصلح للعباد، ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح، والله عليم حكيم.

وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها:

1 - قوله تعالى: )مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)(البقرة: الآية106)

2 - قوله تعالى: )الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُم)(لأنفال: من الآية66)
(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنّ)(البقرة: الآية187) فإن هذا نص في تغيير الحكم السابق

3 - قوله صلّى الله عليه وسلّم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور.



شروط النسخ:
يشترط للنسخ فيما يمكن نسخه شروط منها:
1 - تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بكل منهما.


2 - العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي أو بالتاريخ.

مثال ما علم تأخره بالنص: قوله صلّى الله عليه وسلّم: "كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة"

ومثال ما علم بخبر الصحابي: قول عائشة رضي الله عنها: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات "

ومثال ما علم بالتاريخ: قوله تعالى:(الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ)الآية؛ فقوله: (الآن) يدل على تأخر هذا الحكم. وكذا لو ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حكم بشيء قبل الهجرة، ثم حكم بعدها بما يخالفه، فالثاني ناسخ


3 - ثبوت الناسخ، واشترط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ أو مماثلاً له؛
فلا ينسخ المتواتر عندهم بالآحاد، وإن كان ثابتاً،
والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى أو مماثلاً؛ لأن محل النسخ الحكم، ولا يشترط في ثبوته التواتر.



أقسام النسخ:

ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه
يعني الحكم يتلغي لكن لسه بنقرأ الآيه في القرآن مع إن حكمها ملغي وأمثلته كتيرة منها

مثل قيام الليل:
المنسوخ: قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا}.

الناسخ: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ} .

النسخ: وجه النسخ أن وجوب قيام الليل ارتفع بما تيسر، أي لم يَعُدْ واجباً.

ما الحكمة من نسخ الحكم وبقاء التلاوة؟
1- إن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه، والعمل به، فإنه كذلك يُتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
2- إن النسخ غالباً يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيراً بالنعمة ورفع المشقة، حتى يتذكر العبد نعمة الله عليه.

الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه
كآية الرجم، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: " كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، وقامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف ".

وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بما لا يجدون لفظه في القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى، عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة.


الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه:
كنسخ عشر الرضعات السابق في حديث عائشة رضي الله عنها

وينقسم النسخ باعتبار الناسخ إلى أربعة أقسام:

الأول: نسخ القرآن بالقرآن؛
ومثاله آيتا المصابرة.
وهما قوله تعالى: ) إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)(الأنفال: الآية65)، نسخ حكمها بقوله تعالى: )الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:66)

الثاني: نسخ القرآن بالسنّة؛
يقول الشيخ ابن عثيمين لم أجد له مثالاً سليماً.

الثالث: نسخ السنة بالقرآن:
ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه)(البقرة: الآية144) (149، 150) .

الرابع: نسخ السنة بالسنة
ومثاله قوله صلّى الله عليه وسلّم: "كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية، فاشربوا فيما شئتم، ولا تشربوا مسكراً"

حكمة النسخ:
للنسخ حِكَمٌ متعددة منها:
1 - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم ودنياهم.

2 - التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.

3 - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك.

4 - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف، ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل .



الواجب:
س1: عرفي النسخ وماهي أركانه.
س2: ماهي شروط النسخ؟
س3: ماهي اقسام النسخ باعتبار النص المنسوخ ؟
س4 : ماهي أقسام النسخ باعتبار الناسخ ؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )