دورة علم أصول الفقه ( 6- الأمر )

 

دورة علم أصول الفقه ( 6- الأمر )



6- الأمر
ذكرنا في تعريف الحكم التكليفي أن خطاب الشارع يقتضي ويطلب الفعل
وقلنا إن طلب الفعل ( الأمر ) قد يكون للوجوب وقد يكون للندب

تعريف الأمر : هو طلب إيقاع الفعل ، أي إخراجه من حيز العدم إلى حيز الوجود بصيغة " افعل " وما يجري مجراها ، على وجه الاستعلاء ، ويكون الأمر من الأعلى للأدنى .

" وما يجري مجراها " : لأن ممكن الأمر يكون بصيغ أخرى أو حتى بالاشارة أو الرمز
و" على وجه الاستعلاء " : يعني أن يكون الأمر متكيفا بكيفية الاستعلاء والترفع على المأمور ، كالسيد مع عبده ، والسلطان مع رعيته

وإذا طلب الأدنى من الأعلى إيجاد فعل على وجه الاستعلاء استحق الذم واللوم
إنما يكون طلب الأدنى من الأعلى دعاء

وإما استعطافا واسترحاما كقول الفقير المسكين للغني ، أعطني شيئا لله ؟

وأما طلب الإنسان من نظيره فيسمى إلتماسا كقولك لزميلتك أعطيني ورقة لأكتب فيها



وقد يكون الطلب بصيغة الأمر للارشاد كما في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه )
أو للتخيير كما في قوله تعالى : ( قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى )
أو للإباحة كقوله : ( كلوا واشربوا من رزق الله )
أو للتهديد ( اعملوا ما شئتم )

وقد يستعمل في معان أخرى وهي كثيرة
ونعرفها بالقرائن

والقرينة : ما يرافق الكلام ويدلّ عليه



لكن هناك سؤال مهم
وهو كيف نعرف أن الأمر الوارد في الآية أو الحديث يكون للوجوب أو للندب ؟
مثلا يقول تعالى : ( أقيموا الصلاة وأتوا الزكاة )
ويقول تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه )
الآيتين فيهم أمر لك لكن الآية الأولى للوجوب والتانية للندب
طيب عرفنا ازاي؟




صيغ الواجب وأساليبه وكيفية معرفته :
هناك صيغاً وأساليب للواجب في الشرع تدل على الوجوب والإلزام
وهذه الصيغ هي صيغ الأمر إذا تجردت عن القرائن الصارفة لها عن الوجوب
فالأمر بيكون للوجوب ما لم يصرف عنه صارف ، إذن إذا تجردت صيغة الأمر من القرائن كانت للوجوب

وهذه الصيغ منها صيغ ٌ أصلية ومنها صيغ تابعة .
فمن الصيغ الأصلية:
الأول : الأمر كقوله تعالى {وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة} فإن لفظ أقيموا وآتوا فعل أمر ٍ يدل على الوجوب وكقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم} فـخذ فعل أمر يدل على الوجوب.

الثاني : فعل المضارع المقترن بلام الأمر كقوله تعالى {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق}
و ليقضوا وليوفوا وليطوفوا أفعال مضارعه اقترنت بلام الأمر فتدل على الوجوب
وكقوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته} فإن قوله لينفق فعل مضارع مقترن بلام الأمر فيدل على الوجوب.

الثالث : اسم فعل الأمر كقوله تعالى {عليكم أنفسكم} فإن عليكم هنا فعل أمر بمعنى الزموا فهو يفيد الوجوب .

والرابع : المصدر النائب عن فعل الأمر كقوله تعالى {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} فقوله فضرب مصدر نائب عن فعل الأمر معنى أضربوا فيدل على الوجوب .

فهذه الصيغ السابقة تدل على الطلب على سبيل الجزم فيستفاد منها إما الوجوب أو الفرض على قول الحنفية




هناك أساليب أخرى يمكن أن يستفاد منها الوجوب أيضا يمكن أن نسميها بالصيغ غير الأصلية أو التابعة وهذه عدة أنواع منها :

أولا ً : التصريح من الشارع بلفظ الأمر كقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فيأمركم تصريح بالأمر لأداء الأمانات فيدل على الوجوب .

ثانيا ً : التصريح بلفظ الإيجاب والفرض والكَـتـْب وغيرها كقوله تعالى {يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} فلفظ كتب لفظ أمر يدل على الإيجاب
وقوله تعالى {فريضة ًمن الله} فهو يدل على الإيجاب
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الوتر " الوتر حق " فلفظ حق يدل أيضا ً على الإيجاب والإلزام.
ولذلك استفاد الحنفية من قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا في الوتر أن حكمه الوجوب.

الثالث : ترتيب الذم والعقاب على الترك أو إحباط العمل به مثل قوله تعالى {لئن أشركت ليحبطن عملك }
وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد قوله "الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا " فهذه ألفاظ تدل على الإيجاب والإلزام .
ملحوظة : ( صلاة الوتر سنة مؤكدة عند جمهور العلماء ، ومن الفقهاء من أوجبها .) ويدل على عدم وجوبها : ما رواه البخاري ومسلم عن طَلْحَةَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلاةِ ؟ فَقَالَ : ( الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا ) ولفظ مسلم : ( خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ . فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لا ، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ ) .


الرابع : كل أسلوب في اللغة العربية يفيد الوجوب مثل قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلا} فعبارة ولله على الناس لفظ يدل في اللغة العربية على الوجوب فيكون دالا ً على الإيجاب والإلزام .



ثم نأتي إلى صيغ المندوب
صيغ المندوب وأساليبه :
للمندوب صيغ كثيرة وله أساليب كثيرة وهذه الأساليب تفيدنا في التفريق بين المندوب وبين الواجب من هذه الصيغ والأساليب مثلاً :

الصيغة الأولى : صيغة الأمر الصريح إذا وجدت معها قرينة تصرفها من الوجوب إلى الندب :
إذا كانت عندنا صيغة أمر صريح ووجدت معها قرينة فإن في هذه الحالة تصرفه من الوجوب إلى الندب وقد تصرفه من الوجوب إلى الإباحة لكن نحن نتكلم عن صيغه تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب
وهذه الصيغ حقيقة كثيرة فعندنا صيغ أو صوارف هذه الصوارف تصرف الأمر من الوجوب إلى الندب صوارف كثيرة منها نصوص ترد في الشريعة / ومنه مثلا قواعد عامة في الشريعة .

فمن أمثلة النصوص: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى اكتبوه} لفظ اكتبوه هنا أمر وهو أمر لو تجرد عن القرينة لكان دال على وجوب كتابة الدين في حال وجود مداينة لكن هذا الأمر حمله العلماء على الندب فقالوا إنه مندوب لأن هذا المندوب قد وردت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب وهذه القرينة وردت في نص آخر وهو قوله تعالى {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته}

وقد تكون القرينة صارفة من الوجوب إلى الندب قاعدة شرعية
فمثلا ًبقوله تعالى في شأن المماليك: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} والمكاتبة المقصود بها أن يتفق السيد مع مملوكه أو أمته على أنه يدفع له أو يعطيه مالاً مقسطا ًلأن العبد يريد الفكاك من الرق فيعطي سيده مالاً مقسطاً فإذا دفع له حقه كاملاً فإنه حينئذ يكون المكاتب حراً . فهذه المكاتبة قد ورد الأمر بها في قوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} فهذا أمر ولو كان هذا الأمر بصورة متجردة لكن كان دال على الوجوب لكن العلماء حملوه على الندب وقالوا هذا الأمر يفيد الندب والصارف له قاعدة من قواعد الشريعة العامة فإن من قواعد الشريعة العامة في الملكية أن المالك حر في تصرفه في ملكه وإذا كان المالك حر في تصرفه لملكه فإن هذا الأمر ينبغي أن يحمل على الندب ولا يحمل على الوجوب

والصيغة التي يستفاد منها الندب مثلا : إذا وردت في صيغة لفظية تدل على الندب .
مثل لفظ مندوب أو لفظ سنة أو نحو ذلك مثلا وردت في تعبير صلى الله عليه وسلم في قوله في قيام رمضان ( وسننت لكم قيامه ) فلفظ سننت يعني من قبيل السنة فهذا يدل على أن قيام رمضان سنة وليس واجب بدلالة هذا اللفظ ولم يقل أوجبت أو نحو ذلك .

أو بعض الألفاظ التي تدل على المفاضلة فإن لفظ المفاضلة تدل على أن هذا الأمر مندوب وليس واجب كما في قوله صلى الله عليه وسلم في غسل الجمعة: (ومن اغتسل فالغسل أفضل) فيدل على أن الغسل مندوب أي مستحب في الجمعة لدلالة لفظ أفضل هنا في المفاضلة بين الغسل والوضوء .

الصيغة الثانية: الألفاظ الدالة على الترغيب مثل لفظ حبذا لو فعلت كذا أو نعم هذا الأمر
مثلاً قول صلى الله عليه وسلم لبريرة حين عتقت وهي زوجة لرقيق قوله صلى الله عليه وسلم (لو راجعته) وقوله لو راجعته هنا لو للترغيب فهي تدل أن المراجعة هنا مندوبة أو مستحبة من بريرة رضي الله عنها لزوجها الرقيق بعد أن فصلت عنه لكونها عتقت وصارت حرة
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أحب العمل إلى الله الصلاة لوقتها) وغير ذلك من العبارات الدالة على الندب.


بعد أن عرفنا كيف يفرق العلماء بين الواجب والمندوب كان لازم نوضح حاجة
المفروض إن المسلم يكون حريص على إنه يلتزم بكل ما أمره به الله ورسول ويكون حريص على فعلها سواء كانت للوجوب أو الندب
يعني مجرد ما أسمع الأمر أنفذ فورا ومش محتاجة اسأل هو الأمر ده للوجوب علشان أنفذه ولا للندب علشان مش شرط أنفذه
كان الصحابة مش بيسألوا الأمر ده للوجوب أو الندب إلا لو معملوش الفعل علشان يعرفوا هل تركهم للفعل عليه كفارة أو وزر ولا الأمر للندب فميبقاش عليهم ذنب

اللهم ارزقنا اتباع أوامرك على الوجه الذي يرضيك عنا


الواجب:
س1: ماهي صيغ الواجب واساليبه ؟
س2: ماهي صيغ الندب واساليبه ؟




 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )