نصر الله له أشكال ولا يكون بالنصر المباشر على الأعداء فقط

 


قد علمنا من دين الله تعالى أن نصر الله قادم، بخبر الصادق المصدوق (صلى الله عليه وسلم)
ولكن ما هو الانتصار الحقيقي؟ .. وما هي أنواعه وأشكاله ؟ ..

 قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } (غافر/51)
يبن الله الكريم لنا أنه سينصر رسله ومَن تبعهم من المؤمنين, ويؤيدهم على مَن آذاهم في حياتهم الدنيا, ويوم القيامة, يوم تشهد فيه الملائكة والأنبياء والمؤمنون على الأمم التي كذَّبت رسلها, فتشهد بأن الرسل قد بلَّغوا رسالات ربهم, وأن الأمم كذَّبتهم.

 وقال تعالى : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }(الروم/47)
 وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحج/40)
= وقال تعالى : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ{171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ{172} وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ{173} (الصافات)

= هذه الآيات وغيرها تدل على انتصار الدعاة إلى الله تعالى سواء كانوا أنبياء أومرسلين وأي أحد من العاة المخلصين لله رب العالمين.
وهذا الانتصار يكون في الحياة الدنيا قبل الآخرة.

ولكننا علمنا من كتاب ربنا ومن سنة نبينا (صلى الله عليه وسلم) أن:
1= من الأنبياء من قتله أعداءه ومثلوا بجسده الطاهر كنبي الله يحي ونبي الله زكريا (عليها السلام)
2= ومنهم من هم قومه بقتله فخلصه الله منهم بقدرته وإعجاز من عنده كإبراهيم (عليه السلام) وعيسى بن مريم (عليه السلام).
3= ومن المؤمنين من سامه قومه سوء العذاب ، بل أشده وأعظمه كما حدث مع أصحاب النبي (رضي الله عنهم) ومع أصحاب الأخدود.

والسؤال الذي يطرح نفسه الأن...
أين النصر والتمكين، مع المقتولين، من الأنبياء والمرسلين، ومن الدعاة الصالحين. ؟



إن صور النصر كثيرة ومتعددة ومتنوعة وغير محصورة بفضل الله تعالى .

(1) النصر المباشر على الأعداء :
وذلك عندما يلتقي الصفان (صف المؤمنين وصف الكافرين) وتحدث الحرب ويحدث القتال

 وهذا النوع من الانتصار ، هو النصر الظاهر المعروف لكل إنسان لعدة أسباب هي:
1- هذا النصر يراه كل الناس ويعرفه سواءً كان عالمًا أو جاهلاً.
2- هذا الانتصار محسوس ملموس لكل ذي عينان.
3- هذا النصر يجمع بين انتصار الدين وانتصار الداعية .
4- هذا النصر محبب للنفوس لأن فيه ظهور للحق وعلو له.
5- هذا النصر فيه تمكين عاجل للمجاهدين أهل الدين، والنفس تحب أن ترى الأمور تحدث أمامها عاجلًا. قال تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } (الصف/13)


barra2.gif

(2) النصر قد يكون بإهلاك المكذبين من أعداء المؤمنين:
وذلك بأن ينجي الله تعالى المؤمنين ويدمر اعداء الدين كما فعل سبحانه مع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح

1- فمنهم الذين أرسل الله عليهم حجارة من طين منضود, وهم قوم لوط.
2- ومنهم مَن أخذته الصيحة, وهم قوم صالح وقوم شعيب.
3- ومنهم مَن خسف به الأرض كقارون.
4- ومنهم مَن أغرقه , وهم قومُ نوح وفرعونُ وقومُه.
ولم يكن الله ليهلك هؤلاء بذنوب غيرهم, فيظلمهم بإهلاكه إياهم بغير استحقاق, ولكنهم كانوا أنفسهم يظلمون بتنعمهم في نِعَم ربهم وعبادتهم غيره.


barra2.gif  

(3) النصر الذي يفضله الله لعباده المؤمنين:

وهو أمر عجيب وغريب ، يظنه الناس في ظاهر الأمر خزي وهزيمة ولكنه في الحقيقة أفضل عند الله تعالى ، {وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَار } (آل عمران/198) ،كالقتل والسجن والطرد والأذى .

أليس قتل المؤمن شهادة في سبيل الله ؟ ، والشهيد حي عند الله حياة أفضل من حياة الدنيا . قال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } (آل عمران/169)


barra2.gif

(4) النصر يكون بانتصار الإيمان وانتشاره رغم موت أهله :
كما مع عبدالله الغلام وأصحاب الأخدود حيث قتلهم الملك الكافر الظالم ، حيث جاء في حديث طويل عن المعصوم (صلى الله عليه وسلم) ، نذكر الشاهد منه:

وهو: {ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِى حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِى وَإِلاَّ فَإِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ قَتْلَى. قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تَجْمَعُ النَّاسَ فِى صَعِيدٍ ثُمَّ تَصْلُبُنِى عَلَى جِذْعٍ فَتَأْخُذُ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِى ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِى. فَفَعَلَ وَوَضَعَ السَّهْمَ فِى كَبِدِ قَوْسِهِ ثُمَّ رَمَى فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ. فَوَضَعَ السَّهْمَ فِى صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلاَمُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ . فَقَالَ النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ فَقَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ. فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَخُدِّدَتْ فِيهَا الأُخْدُودُ وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ وَقَالَ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ وَإِلاَّ فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا. قَالَ فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَ فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِى النَّارِ فَقَالَ الصَّبِىُّ يَا أُمَّهِ اصْبِرِى فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ ».
(أحمد/24655) قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 4461 في صحيح الجامع


barra2.gif

(5) النصر قد يكون بالطرد والإخراج من البلاد :

وفي هذا انتصار للدعوة ونشر لها، حيث ينشرها الداعية في البلاد التي يذهب إليها، كما حدث مع نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) .. قال تعالى : {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا (وهذه المعية هي معية النصر والتمكين) فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (التوبة/40)
وقال تعالى : {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحج/40)


 وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول:
إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
قال: وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة. وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان في حبسه في القلعة يقول: لو بذلتُ ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما نسبوا فيه من الخير - ونحو هذا.
وكان يقول في سجوده، وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ما شاء الله.

وقال مرة: المحبوس من حُبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
ولما دخل إلى القلعة، وصار داخل سورها نظر إليه وقال: " فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب" " الحديد: 13 " .
(ذيل طبقات الحنابلة 1/344)


barra2.gif

(6) النصر قد يكون بثبات الداعية على مبادئ عقيدته :
مهما عُذب أو طُرد أو حتى قُتل أو أُحرق ،
كما حدث مع نبي الله إبراهيم (عليه السلام) حيث يجتاز العقبات وبشجاعته وثباته، ويعلو على الشهوات والشبهات بإيمانه وعقيدته.


قال تعالى: {قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ{62} قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ{63} فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ{64} ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ{65} قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ{66} أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ{67} قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ{68} قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ{69} وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ{70} (سورة الأنبياء)

 وهذا نبأ من أنباء الصالحين (أبو مسلم الخولاني):
فعن إسماعيل بن عياش قال: أخبرنا شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود بن قيس بن ذي الخمار تنبأ (ادعى النبوة كذبًا) باليمن فبعث إلى أبي مسلم فلما جاءه قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم قال أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله قال: نعم فردد ذلك عليه كل ذلك يقول له مثل ذلك. قال: فأمر بنار عظيمة فأججت ثم ألقي فيها أبو مسلم فلم تضره شيئاً قال: فقيل له: انفه عنك (اطرده خارج اليمن) وإلا أفسد عليك من اتبعك. قال فأمره بالرحيل فأتى أبو مسلم المدينة وقد قُبض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واستخلف أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد ودخل المسجد وقام يصلي إلى سارية فبصر به عمر بن الخطاب فقام إليه فقال ممن الرجل قال: من أهل اليمن قال: ما فعل الرجل الذي أحرقه الكذاب بالنار؟. قال: ذلك عبد الله بن ثوب قال: أنشدك بالله أنت هو؟ قال: اللهم نعم. قال: فأعتنقه عمر وبكى ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله (عليه السلام).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )