موضِعُ سجودِ السهوِ قبلَ السَّلامِ أو بَعْدَه؟
القول الأول: إنْ سهَا بنقصٍ، سجَد قبل السلام، أو بزيادةٍ فبَعدَه،
وهو المشهورُ عند المالكيَّة ، وقولٌ عندَ الشافعيَّة ، ورِوايةٌ عن أحمد ، وهو قولُ ابنِ المنذرِ ، واختيارُ ابنِ تيميَّة , وابنِ عُثيمين .
الأدلَّة:
الأدلة على السجود قبل السلام للنَّقْصِ :
أولًا: من السُّنَّة
عن عبدِ اللهِ بنِ بُحينةَ، أنه قال: ((صلَّى لنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ركعتينِ، ثم قام فلمْ يجلِسْ، فقام الناسُ معه، فلمَّا قضى صلاتَه وانتظَرْنا التسليمَ كبَّر، فسجَدَ سجدتينِ وهو جالسٌ قبل التَّسليمِ، ثم سلَّمَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ))
.
ثانيًا: لأنَّ الصَّلاةَ لَمَّا كانت فيها هذا النَّقصُ كانَ مِن المناسبِ أن يَسجُدَ للسَّهوِ قبل أن يُسلِّمَ منه؛ حتى يوجدَ الجابرُ قبلَ انتهائها؛ لأنَّ هذا السجودَ يَجبُر النقصَ؛ فكونُ الجابرِ قَبلَ أن يُسلِّمَ إذا نقَصَ منها أَوْلَى من كونِه بعدَ أن يُسلِّمَ .
الأدلة على السجود بعد السلام للزِّيادَةِ:
أولًا: مِن السُّنَّةِ:
1- عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه، قال: ((صلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ خمسًا، فلمَّا انفَتَلَ تَوَشْوَش القومُ بينهم، فقال: ما شأنُكم؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ! هل زِيدَ في الصَّلاةِ؟ قال: لا، قالوا: فإنَّكَ قد صليتَ خمسًا، فانفتَلَ ثم سجَدَ سجدتينِ، ثمَّ سَلَّم، ثم قال: إنَّما أنَا بَشَرٌ مثلُكم)) (
2- عن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، قال: ((صلَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الظهرَ ركعتيْنِ، فقيلَ: صلَّيْتَ ركعتيْنِ، فصلَّى ركعتيْنِ، ثم سلَّمَ، ثم سجدَ سجدتيْنِ))
وجه الدلالة:
أنَّه زادَ زيادةً قوليَّةً، وهو السلام في أثنائِها؛ فكان السجودُ بعدَ السَّلامِ .
ثانيًا: حتى لا تكون في الصَّلاةِ زيادتانِ - الفعليَّة أو القوليَّة التي وقعتْ سهوًا، وسجدتَا السهوِ - فكان من الحِكمةِ أن تكونَ السجدتانِ بعدَ السَّلامِ, وبهذا لا تجتمعُ فيها زيادتانِ .
القول الثاني: أنَّ محلَّه قبلَ السَّلام، إلَّا إذا سلَّم قبل إتمامِ صلاتِه، أو إذا بنَى على غالِبِ ظنِّه
وهذا مذهبُ الحنابلة ، وهو قولُ ابن باز ، وبه أفتَتِ اللَّجنةُ الدَّائمة .
الأدلَّة من السُّنَّة
1- عن أبي هُرَيرَة رضي الله عنه، قال: ((صلَّى بنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ الظُّهرَ رَكعتينِ، ثمَّ سَلَّمَ، ثم قام إلى خَشبةٍ في مُقدَّمِ المسجدِ، ووضَع يدَه عليها، وفي القومِ يومئذٍ أبو بكرٍ وعُمرُ، فهابَا أن يُكلِّماه، وخرَج سَرَعَانُ النَّاسِ، فقالوا: قَصُرتِ الصَّلاةُ، وفي القومِ رجلٌ كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يَدْعُوه ذا اليَدينِ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، أنسيتَ أمْ قَصُرتْ؟ فقال: لم أَنْسَ ولم تَقْصُرْ! قالوا: بلْ نَسيتَ يا رسولَ اللهِ، قال: صَدَق ذو اليَدينِ، فقام فَصلَّى ركعتينِ، ثمَّ سلَّمَ، ثمَّ كبَّر، فسجَدَ مِثلَ سجودِه أو أطولَ، ثم رفَعَ رأسَه وكبَّر، ثمَّ وضَعَ مِثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثمَّ رفَعَ رأسَه وكبَّرَ))
2- عن عبدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال: ((.. إذَا شَكَّ أحدُكم في صَلاتِه، فلْيَتحرَّى الصَّوابَ فلْيُتمَّ عليه، ثم لْيُسلِّمْ، ثم يسجُدْ سَجدتينِ))
قال الماورديُّ: (لا خلافَ بين الفقهاء أنَّ سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون والأَوْلَى)
وقال ابن تيمية: (ذهَب كثيرٌ من أتباع الأئمَّة الأربعة إلى أنَّ النزاع إنما هو في الاستحباب، وأنه لو سجَد للجميع قبل السلام، أو بعده جاز. والقول الثاني: أنَّ ما شرعه قبل السلام يجب فِعلُه قبله، وما شرَعه بعده لا يفعل إلَّا بعده. وعلى هذا يدلُّ كلام أحمد وغيره من الأئمَّة، وهو الصحيح... فهذا أمر فيه بالسلام ثم بالسجود، وذلك أمر فيه بالسجود قبل السلام، وكلاهما أمرٌ منه يقتضي الإيجاب... ولكن مَن سجَد قبل السلام مطلقًا، أو بعده مطلقًا متأولًا، فلا شيءَ عليه، وإن تبيَّن له فيما بعدُ السنَّةُ استأنف العمل فيما تبيَّن له، ولا إعادة عليه)
تعليقات
إرسال تعليق