الدليل على صدق إيمانكَ وقوة يقينك وشدة حبك لله وتعظيمك له

 

إن الإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال له سبحانه وتعالى، حيث جاء في تعريف العبادة أنها : تعظيم الله وامتثال أوامره، فتعظيم الله من العبادات التي خلقنا الله لتحقيقها.


والله جل وعلا عظيم قد جاوزت عظمته عز وجلَّ حدود العقول، ومن معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظَّم كما يعظَّم الله، قال الله تعالى: ( تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا )
أي: تكاد السموات يتشققن من عظمة الله عز وجل.



وفي المقابل ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته ولا عرفه حق معرفته ولا وصفه حق صفته، قال تعالى: ( مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا )

أي: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته؟!



ولكن ما الدليل على صدق إيمانكَ وقوة يقينك وشدة حبك لله وتعظيمك له ؟

الدليل هو سرعة استجابتك لأوامره سبحانه وتعالى .
فعندما تسمع آية فيها أمر الله سبحانه وتعالى، وعندما تسمع حديثاً فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل تتقبل ذلك مباشرة دون تلكؤ؟ دون تباطؤ؟ دون تململ؟



أم أننا نماطل ونسأل هل هذا الأمر للوجوب أو الاستحباب ؟ أو بإذن الله سأمتثل للأمر عندما أكبر أو بعد الزواج أو من أول الشهر أو من أول الأسبوع أو عندما يهديني الله تعالى .

بل يصل الأمر عند بعض يزعمون إنهم من المسلمين المعظمين لله أن يقولوا أن هذا الحكم لا يصلح لهذا الزمان وإنما كان يصلح زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم .



ولم يدركوا أن سرعةُ الاستِجابة دليلُ الصدقِ في دعواهم بالإيمان .

قال الله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

هذا هو قولُ أهل الإيمان: سمِعنا وأطعنا، في المنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر.


والمُستجِيبُون لله ورسوله هم أهلُ الفلاح، وهم المؤمنون حقًّا، الفائِزون بما عند الله من الأجر والثواب وطيب العيش في الدنيا والآخرة .



أما المُنافِقون فشِعارُهم الإعراضُ والتولِّي ، ومُخالفةُ أمرالله ونبيه صلى الله عليه وسلم ، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) .



و من ماتَ قلبُه فلا استِجابةَ عنده،قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) .



: ان معنى الاستجابة لله أن تخضع رغباتك أيها المسلم وأهوائك وتصرفاتك لدين الله عز وجل في كل صغير وكبير من أمرك ..ولا خيار لك في ذلك إن كنت تزعم انك مسلم ..



لقد جاء النص القرآني الكريم واضح كل الوضوح ، ولا يحتاج إلى تأويل أو تبرير ..
يقول سبحانه ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)

ولاحظ كلمة أمرا ، فقد جاءت نكرة لتشمل أيَّ أمر ولو كان في نظرك بسيطا ، ولو كان يخالف هواك .



ويستجيبُ الله لمن استجابَ له، قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) .



ولما حصلَ الخللُ في الاستِجابةِ لله ورسولِه مُنِعوا إجابة الله، ووُكِلوا إلى أنفسهم، ومن وكلَه الله إلى نفسِه خسِرَ وضعُفَ وذَلَّ.




ولقد فهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم هذه الحقيقة فكانوا خير الناس في سرعة استجابتهم لأمر ربهم جل وعلا وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم .



ولنتأمل معاً كيف استجاب الصحابة لأوامر الله في تحريم الخمر، أخرج البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما كان لنا خمرٌ غير هذا الذي تسمونه الفضيح (شراب يتخذ من البسر- النهاية)، فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً، وفلاناً إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟! فقالوا: وما ذاك؟! قال: حُرِّمت الخمر، قالوا: أهرقْ هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا أرجعوها بعد خبر الرجل» (البخاري: 4617).



الصورة الثانية تحكي سرعة استجابة نساء المسلمين آنذاك في لبس الحجاب ، تروي هذه الصورة أمنا عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا فتقول ( يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ ..لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا )البخاري وفي رواية لأبي داود عن أمنا أُمِّ سَلَمَة رضي الله عنها أنها قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ ( يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ) خَرَجَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنَ الْأَكْسِيَةِ ..



فأين هذه الصورة المضيئة من واقع نساء المسلمين اليوم ..تبرج وتعطر وتزين وترك للحجاب مع علمهن بالنصوص الشرعية التي تحرم ذلك ، ومع ذلك يدعين صدق الإسلام والاستسلام لأوامر الله .



وقصص سرعة استجابة الصحابة لأوامر الله تعالى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها . فأين هولاء من الذين يسمعون أوامر الله تعالى وأوامر رسوله تتلى عليهم ليل نهار وهم معرضون عنها ..غير مبالين بها..ومع ذلك يدعون الاسلام ، فإلى الله المشتكى .



ومن ثمرات المسارعة للاستجابة لأوامر الله:



أولًا: الاستجابة سبيل إلى الرشاد وإجابة الدعاء،
كما قال تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} .



ثانياً: المستجيب حي؛

فعلى قدر الاستجابة تكون الحياة، فهي مراتب كلما زاد العبد في الاستجابة لله وطاعة أوامره كلما زاده الله هداية وتوفيقاً. وقد شبه الله المستجيب لنداء الله ورسوله بالحي، والذي لا يستجيب بالميت: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} .



ثالثا: آخر طريق الاستجابة الجنة،

قال الحق تبارك وتعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .



رابعا: المستجيب وهداية الله:
قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} . قال ابن قيم الجوزية طيب الله ثراه: فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى.



خامسًا: الاستجابة علامة للإيمان.
فأهل الاستجابة هم المؤمنون حقًا، قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .



سادسا: سلامة العبد من حيلولة الله بينه وبين قلبه:

لأن الله حذر من أن يحول بين العبد وقلبه فلا ينتفع بموعظة، ولا يتحرك قلبه بترغيب ولا ترهيب، قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ]الأنفال: 24].



سابعا: تأخير الاستجابة لأمر الله ورسوله من صفات المنافقين،
فالفرق بين المؤمنين والمنافقين سرعة الاستجابة لله ورسوله، والمبادرة إلى امتثال أوامر الله ورسوله، والسمع والطاعة، والانقياد للحق إذا ظهر واستبان له، يقول تعالى مبيناً صفات الفريقين في ذلك: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ . وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ . إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} . فهل تحب أن تكون منهم أعاذنا الله وإياكم.



ثامناً: الاستجابة لأوامر الله سبحانه نجاة في الدنيا والآخرة من هول يوم القيامة،

قال الله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} .



فلنسارع بالاستجابة لأوامر الله؛ وما أشد حاجة المسلمين اليوم إلى استجابة الله لهم، ليحييهم بعد مواتهم، ويكشف عنهم كرباتهم، ويزيل الظلم والظالمين عن كواهلهم، فلن تنكشف الغمة، وينصلح حال الأمة إلا بقيامها لله فرادى وجماعات، منيبين إليه، مستجيبين له ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيحميها ويغار عليها، ويثأر لها، وينصرها.
 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )