ضوابط التكفير

 


منَ الأمورِ المعلومة المسلَّمة في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة -
التفريقَ بين الحكم على الاعتقاد، أو القول، أو الفعل بأنَّه كُفر أو شرك، وبين الحكم على المسلِم المعيَّن الذي اعتقد اعتقادًا كفريًّا، أو فَعَل أمرًا مُكَفِّرًا، أو قال قولاً كُفْريًّا.

فإنَّ الحكم على القول أو الفعل بأنه كُفْر، متعلِّقٌ ببيان الحكم الشرعي المطلَق، أمَّا الحكم على الشخص المعيَّن إذا اعتقد، أو قال، أو فعل أمرًا كفريًّا مُخْرِجًا منَ الملَّة؛ كأن ينكرَ أمرًا معلومًا منَ الدِّين بالضرورة، وكأن يسُبَّ الله تعالى أو يسبَّ دين الإسلام، فإنه لا بُدَّ عند الحكم عليه منَ التَّبَيُّن عن حال هذا الشخص المعيَّن في ذلك، وذلك بمعرفةِ: هل توفَّرتْ فيه جميعُ شروط الحكم عليه بالكفر أو لا؟ وهلِ انتفَتْ عنه جميع موانع الحكم عليه بالكفر أو لا؟ فإنْ توفَّرتْ فيه جميع شروط التكفير، وانتفتْ عنه جميعُ موانعِه؛ حُكِم بكفْرِه، وإن لم يتوفَّر فيه شرطٌ واحد أو أكثر مِن شروط الحكم عليه بالكفر، أو وُجِد لديه مانع أو أكثر من موانع التكفير؛ لم يُحْكَم بكفرِه


قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله:
"إنَّ التكفير له شروط وموانعُ، قد تنتفي في حقِّ المعيَّن، وإن تكفير المطلَق لا يستلزم تكفيرَ المُعَيَّن، إلاَّ إذا وُجِدَتِ الشروط، وانتفتِ الموانع،
يُبَيِّن هذا أنَّ الإمام أحمدَ وعامَّة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات - أي: مَن قال أو فعل كذا، فقد كفر - لم يُكَفِّروا أكثر مَن تَكَلَّم بهذا الكلام بعينِه.

فإنَّ الإمام أحمد مثلاً قد باشَرَ الجهميَّة الذين دعَوه إلى خَلْق القرآن، ونفْيِ الصفات، وامتحنوه وسائرَ علماء وقته، وفتنوا المؤمنينَ والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التَّجَهُّم بالضرب، والحبس، والقتل، والعزل عنِ الولايات، وقَطْع الأرزاق، ورَدِّ الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثيرٌ مِن أولي الأمر إذ ذاك منَ الجهميَّة - مِنَ الولاة والقضاة وغيرهم - يُكَفِّرُون كلَّ مَن لم يكنْ جَهْمِيًّا موافقًا لهم على نَفْيِ الصفات، مثل القول بِخلْق القرآن، ويحكمون فيه بِحُكْمِهم في الكافر.
ثم إنَّ الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضَرَبَه وحبسه، واستغفرَ لهم، وحَلَّلهم مما فعلوه به من الظلمِ والدعاءِ إلى القول الذي هو كُفر،

ولو كانوا مرتدينَ عنِ الإسلام، لم يَجُز الاستغفار لهم، فإنَّ الاستغفار للكُفَّار لا يجوز بالكتاب والسُّنَّة والإجماع،
وهذه الأقوال والأعمالُ منه ومِن غيره منَ الأئمة صريحةٌ في أنهم لم يُكَفِّروا المُعَيَّنينَ مِنَ الجَهْميَّة الذين كانوا يقولون: إنَّ القرآن مخلوقٌ، وإنَّ الله لا يُرَى في الآخرة، وقد نُقِل عن أحمد ما يدلُّ على أنه كَفَّر به -أي: بقول الجهميَّة وعقيدتهم- قومًا مُعَيَّنِين.

barra2.gif


فليس كلُّ مَن فعل مُكَفِّرًا حُكِمَ بِكُفْره؛ إذِ القول أوِ الفعل قد يكون كفرًا؛ لكن لا يُطْلَق الكفر على القائل أو الفاعل إلاَّ بشرطه؛ لأنه لا بُدَّ أن تثبتَ في حقِّه شروط التكفير، وتَنْتفي موانِعُه؛
فالمرءُ قد يكون حديث عهد بإسلام، وقد يفعل مُكَفِّرًا، ولا يعلم أنه مُكَفِّر ، فإذا بُيِّنَ له رَجَع، وقد ينكر شيئًا متأولاً أخطأ بتأويله، وغير ذلك منَ الموانع التي تَمْنَعُ منَ التكفير.
وهذا أصلٌ عظيم يجب تفهُّمه والاعتناء به؛
لأنَّ التكفير ليس حقًّا للمخلوق، يُكفِّر مَن يشاء على وَفْق هواه؛ بل يجب الرُّجوع في ذلك إلى الكتاب والسُّنَّة على فَهْم السَّلَف الصالح، فمَن كَفَّرَهُ الله ورسوله، وقامتْ عليه الحجة، فهو كافر، ومَن لا، فلا".

barra2.gif


فالمسلِم قد يقع في بعض أنواع الكفر أوِ الشِّرك الأكبر، والتي وردتْ أدلة شرعيَّة تدل على أن الوقوع فيها مُخْرِجٌ منَ الملَّة، وقال أهل العلم: "مَن فَعَلَهَا فقد كَفَر"؛ ولكن قد لا يُحْكَم على هذا المسلم المعيَّن بالكفر، وذلك لِفَقْد شرط مِن شروط الحكم عليه، أو وُجُود مانِع مِن ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغْه النصوصُ الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن مِن فهمها، وقد يكون عرضت له شبهاتٌ يَعذره الله بها، فمَن كان مِن المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه، كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أم العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وجماهير أئمة الإسلام"

ومِن شروط الحكم على المسلم المُعَيَّنِ بالكُفْر:
- أن يكونَ عالمًا بتحريم هذا الشيء المُكَفِّر
- ومنها: أن يكونَ متعمِّدًا لفِعْله .
- ومنها: أن يكونَ مختارًا، وذلك بألاَّ يكونَ مكرَهًا على قولِ أو فعل الأمر المُكَفِّر؛ كما قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106]، وهذا مُجمَع عليه بين أهل العلم.

barra2.gif


ومِنَ الأُمُور التي لا يُحْكَم على المسلم المعين بالكفر بِسَبَبِها - كما سبق - أن يوجدَ لديه مانعٌ من موانع الحكم على المُعَيَّنِ بالكُفْر.

ومِن موانع تكفير المُعَيَّن:

الجهل:
قال الإمام الشافعيُّ عند كلامِه على الأسماءِ والصِّفات الثابتة في القرآن والسُّنة: "فإنْ خالف بعد ذلك بعد ثبوت الحجة عليه، فهو كافر، فأمَّا قبْل ثبوت الحجة عليه، فمعذور بالجهل"

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: "إن تكفير المُعَيَّن وجواز قتله، موقوف على أن تبلغَه الحجة النَّبويَّة، التي يَكْفُر مَن خَالَفَها، وإلاَّ فليس مَن جهل شيئًا مِن الدِّين يَكْفُر"


وقال شيخنا محمد بن صالح بن عُثيمين رحمه الله: "الجهل بالمُكَفِّر على نوعينِ:
الأول: أن يكونَ مِن شخص يدين بِغَيْر الإسلام، أو لا يدين بشيء، ولو لم يكن يخطر بباله أن دينًا يخالف ما هو عليه، فهذا تَجْرِي عليه أحكام الظاهر في الدنيا -أي أحكام الكُفَّار- وأما في الآخرة فأمْرُه إلى الله تعالى.

النوع الثاني: أن يكونَ من شخص يدين بالإسلام؛ ولكنه عاش على هذا المُكَفِّر، ولم يَكُن يخطر ببالِه أنه مخالفٌ للإسلام، ولا نَبَّهه أحدٌ على ذلك، فهذا تجري عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، أما في الآخرة فأمْرُه إلى الله عز وجل وقد دَلَّ على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم"

barra2.gif


ومن موانع التكفير للمعين أيضًا: التأويل:

والتأويل هو: أن يرتكب المسلم أمرًا كفريًّا، معتقدًا مشروعيته، أو إباحته له؛ لدليل يرى صحته، أو لأمر يراه عذرًا له في ذلك، وهو مخطئ في ذلك كله.
فإذا اعتقد المسلم، أو فعل، أو قال أمرًا مخرجًا من الملة، وكان عنده شبهة تأويل في ذلك، وهو ممن يمكن وجودُ هذه الشبهة لديه، وكانت في مسألة يحتمل التأويل فيها، فإنه يُعذر بذلك، ولو كانت هذه الشبهة ضعيفة، وقد حكى بعض العلماء إجماعَ أهل السنة على هذا المانع

وقد ذكر بعض أهل العلم أنه من أجل هذا المانع -وهو مانع التأويل- لم يكفِّر الصحابةُ رضي الله عنهم الخوارجَ الذين خرجوا عليهم، وحاربوهم، وكفَّروا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب المشهود له بالجنة، واستحلوا دمه، حتى قتلوه، واستحلوا دماءَ جميع مَن خالفهم، مع أن بعض ما وقعوا فيه هو من الأمور التي يَكفر مرتكبُها

barra2.gif

فتكفير المعين يحتاج إلى نظر من وجهين:

الأول: معرفة هل هذا القول أو الفعل الذي صدر من هذا المكلَّف، مما يدخل في أنواع الكفر أو الشرك الأكبر، أو لا؟

والثاني: معرفة الحكم الصحيح الذي يُحكم به على هذا المكلف، وهل وجدت جميع أسباب الحكم عليه بالكفر، وانتفت جميع الموانع من تكفيره، أو لا؟

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )