دروس وعبر من غزوة الأحزاب

 

"غزوة الأحزاب" هذه الغزوة المباركة التي لم يحدث فيها قتال ولم تقع فيها مواجهة بين المسلمين وأعدائهم ومع ذلك كانت غزوة مميزة ميزت صفوف المسلمين وكشفت المندسين والمنافقين وأظهرت الخبث الموجود في أوساط المسلمين.

إن الشدائد والأهوال التي يمر بها المسلمون في كل وقت وحين هي الكفيلة بكشف الحقائق وإظهار المعادن وتمييز الصفوف وتبيين أهل الإيمان من أهل النفاق وأهل الحق والصدق من أهل الزيف والباطل.

ولهذا انقسم الناس عندما تكالبت الأحزاب على المسلمين إلى فريقين فريق قالوا ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ وفريق ﴿ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ .





إن غزوة الأحزاب تتكرر في زماننا هذا وفي سنواتنا هذه التي تكالب فيها الأعداء على المسلمين وتحالف أهل الشرق والغرب على القضاء على الإسلام

إن غزوة الأحزاب تعلمنا أن نصر الله آت لا محاله وفرجه قريب ونصره واقع بلا شك وما هي إلا شدة وتزول وأيام صعاب تنتهي وتذهب

فغزوة الأحزاب استمرت قرابة شهر كامل حتى تنقت الصفوف وظهر المؤمنون من المنافقين ثم جاء المدد من الله وأرسل الله على أعدائه جندياً من جنوده أرسل عليهم الريح العاتية وأنزل ملائكته تثبت قلوب المجاهدين وتزلزل قلوب الكفرة والمنافقين.

وهكذا تمر علينا الأحداث اليوم ويتأخر علينا النصر لأن النصر لا يأتي إلا إذا تنقت الصفوف وتميزت المعادن حينها يأتي نصر الله ويمدنا الله بمدده ونصره ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ .

وهذا معناه أن تحقيق النصر وجلبه أو تأخيره إنما هو بأيدينا فإن نصرنا الله ووالينا دينه واتجهنا إلى شريعته واقتربنا من منهجه جاءنا النصر وإن ابتعدنا عن منهج الله وتركنا شريعة الله وهجرنا كتاب الله ابتعد عنا النصر وتأخر ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ .




تعلمنا غزوة الأحزاب أن الكفار مهما أعدوا من عدة لضرب المسلمين ومهما فعلوا ومهما خططوا ومهما مكروا فإن مكرهم سيرتد عليهم وحربهم ستحرقهم قبل أن تحرق عدوهم ومؤامراتهم وكيدهم سينقلب ضدهم وأسلحتهم وعتادهم ستكون غنيمة لخصومهم

وهذا ما تحقق في غزوة الاحزاب وبني قريظة خططوا وجمّعوا ومكروا وفي النهاية ولوا منهزمين مدحورين لا يلوون على شيء وأيقنوا بعدها أن نور الله لا يمكن أبداً أن ينطفئ ودينه لا يمكن أبداً أن ينتهي أو يغلب بل أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المعركة ستتحول بعد الأحزاب من الدفاع إلى الهجوم وقال " الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم ".



لو نظرنا في حال المسلمين في غزوة الأحزاب لوجدنا أنه حال يرثى له فالجوع يكاد يقتلهم حتى شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الجوع ولا يوجد عندهم ما يسد رمقهم والحصار قد اشتد عليهم والبرد قد أصابهم ولا يوجد لديهم ما يواجهون به البرد والفتنة والانقسام وقعت في صف الجيش الإسلامي نفسه بسبب المنافقين الموجودين في أوساط الجيش.

تخيلوا - يا عباد الله - لو خرج اليوم جيش من المسلمين بهذه الصورة جيش لا يوجد لديه حتى قوت جنوده ولا ملابسهم الحربية وما يقيهم من البرد وعدد جيش العدو أكثر من عدد جيش المسلمين بأكثر من ثلاثة أضعاف ماذا سيقول عنه المنافقون؟ وماذا سيوجهون له من النقد والسخرية؟ سيرمونه بالتهور والتسرع والطيش والتعجل في المواجهة بل سيستهزئون به ويعتبرونه جيش مغامر وساذج ومخترق وفي النهاية لن يفعلوا شيئاً ولن يحسنوا غير النقد واللوم والهدم وصدق الله سبحانه وتعالى إذ يقول عنهم ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ .



إن كثرة الشدائد وشدة المصاعب حينما تمر بها الأمة فإن هذا أعظم دليل على أن الفجر قد اقترب والنصر قد لاح وإنما هو مخاض عسير ثم تكون بعده الولادة المنتظرة بإذن الله.

لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبشر أصحابه في تلك الساعات الحرجة باقتراب النصر وموعد الفتح فيبشرهم بأنهم سيملكون كنوز كسرى وقيصر.

ولما زادت الشدة وعظمت الكربة بعد نقض اليهود للعهد والاتفاق الذي بينهم وبين المسلمين ومشاركتهم للأحزاب في الحرب وقيام المنافقين بالتمرد والتهرب من ساحة المعركة وقالوا ﴿ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾ هنا تلثم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقنع واضطجع من شدة الحرج ولكنه عليه الصلاة والسلام قام مكبراً ومبشراً يقول " الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره.



كما أن الغزوة تعطينا درساً عظيماً في قطع العلاقات وتجنب توقيع المعاهدات مع اليهود أو إبرام الاتفاقيات معهم فإنهم قوم غدر لا عهد لهم ولا ميثاق ولا يقدّرون صلحاً ولا يحفظون حقاً

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ فهل يفقه هذا ويعيه من يوالي اليهود ويبرم معهم الاتفاقيات وينسق معهم لإعادة المساومات والمفاوضات كما يفعل بعض الفجرة والخونة من حكام المسلمين.



في غزوة الأحزاب تأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن صلاة العصر في يوم من الأيام المباركة لهذه الغزوة العظيمة فصلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - قرب المغرب وبعدما صلاها قال " ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس".

فأين الذين يؤخرون صلاة العصر وغيرها من الصلوات من هذا يؤخرونها عن وقتها بلا سبب وينامون عنها كل يوم وليلة لا يستحون من الله ولا يخافون منه أن يؤخرهم بسبب تأخيرهم عن الصلاة.

إذا كان رسولنا - صلى الله عليه وسلم - غضب على الكفار ودعا عليهم بهذا الدعاء الغليظ لأنهم أخروه عن الصلاة بسبب انشغالهم بصدهم ورد هجماتهم فماذا نقول لمن يؤخر العصر حتى قرب المغرب ويصلي الفجر وقد كادت الشمس أن تطلع وماذا نقول لمن لا يصليها أصلاً ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ يقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" رواه البخاري.

منقول بتصرف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )