التاريخ الهجري ليس مجرد تاريخ ! .. بل هوية فانتبهوا يا مسلمين
انتشر بين المسلمين اليوم استخدام التأريخ الميلادي والاستغناء به عن التأريخ الهجري الإسلامي ،
ولم يزل المسلمون على مرّ العصور يعتمدون هذا التأريخ في جميع
معاملاتهم ولا يعرفون غيره، حتى استولى النصارى على كثير من بلاد
المسلمين في أواخر القرن الثاني عشر الهجري الموافق لأواخر القرن الثامن
عشر الميلادي النصراني، ففرضوا تأريخهم على البلاد التي احتلوها وصارت
تحت سيطرتهم، فصار المسلمون في هذه البلدان لا يعرف أكثرهم إلا التأريخ
الميلادي وشهور السنة الإفرنجية الشمسية، وأما السنة القمرية الشرعية فلا
يرد ذكرها عندهم إلا لمعرفة شهر رمضان وشهر الحج والأحكام الشرعية
المنوطة بالأشهر القمرية، فنشأ على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير.
وعزل المسلمين عن تأريخهم هو أحد ما عمل عليه العدو المحتل في تغيير هوية المسلمين وإضعاف صلتهم بدينهم وبسلفهم الصالح
وبقي الأمر على هذه الحال حتى بعد خروج المحتل وزوال نفوذه المباشر .
ويعتبر التقويم لأي أمة حافظ ذاكرتها وسجل أحداثها ورمز رقيها
وحضارتها ومرآة ثقافتها وإبداعها ، ولذلك وجدنا لأمم الهند والفرس
والرومان واليهود والأقباط ولأهل الصين وغيرهم لكل أمة منهم تقويمها الذي
طبعته بطابعها وأشربته نكهة عقائدها وحقنته بروح حضارة مجتمعاتها.
لماذا نتمسك بالتأريخ القمري / الهجري ؟
1- لأنه شرع الله تبارك وتعالى :
أ- قال تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ... ) – البقرة 189 -
ب- قال تعالى ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا
عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا
تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ ) – التوبة 36 -
والمعنى : إن عدد الشهور { عِندَ الله } أي : في حكمه وقضائه { اثنا
عَشَرَ شَهْراً } هي الشهور القمرية التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية
.وقوله { فِي كِتَابِ الله } ، أي : في اللوح المحفوظ .
والمقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن كون الشهور كذلك حكم أثبته -
سبحانه في اللوح المحفوظ منذ أوجد هذا العالم ، وبينه لأنبيائه على هذا
الوضع . . فمن الواجب اتباع ترتيب الله لهذه الشهور ، والتزام أحكامها
ونبذ ما كان يفعله أهل الجاهلية من تقديم بعض الشهور أو تأخيرها أو
الزيادة عليها ، أو انتهاك حرمة المحرم منها.
وفي الآية دليل على أن الله تعالى هيأ للإنسان أسباب معرفة علم التقويم قبل أن يخلق الإنسان نفسه لأهميته في حياته.
ولا بد أن يكون لكل أمة من أمم الأرض تقويمها الذي به تعتز وإليه
تنتسب ، وبه تؤرخ أحداثها وأيامها، وتحدد أعيادها ومناسكها ، فهو يمثل
تاريخها ودينها وحضارتها.
2- مرتبط بالعبادات :
أ- المؤمن العابد لله تعالى ، المتقرب لله بألوان الطاعات الواجبة والمندوبة ، لابد له من مراقبة – معرفة – التاريخ الهجري .
فلو استعرضنا – مثلاً - أركان الإسلام ، سنجد ثلاثة أركان مرتبطة بالتاريخ القمري :
1- فريضة الزكاة : من شروط وجوب زكاة المال .. مرور حول كامل ، والحول هو العام الهجري
2- فريضة الصيام : قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ
فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ..... ) –
البقرة 185 -.
القرآن ينص على الشهر الهجري الذي نصومه.
متى نصوم ومتى نفطر ؟.. روى مسلم في صحيحه عن أبَى هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ
غُمِّيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْرُ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ) .
وسبحان الله .. شهر رمضان لارتباطه بدورة القمر .. يأتي في كل فصول
السنة فتارة في الشتاء وتارة في الصيف وتارة في الربيع وتارة في الخريف
.. فلو كان في فصل ميلادي ولو كان في الصيف مثلا لشق على الناس صيامه .
ففصول السنة من شتاء وصيف وربيع وخريف تكون ثابتة بالنسبة للتاريخ
الميلادي ، ولكنها متغيرة بالنسبة للتاريخ الهجري ، ولذلك فإن من الحكمة
ربط أمور العبادة بالتاريخ القمري حتى لا يصوم البعض يوماً طويلاً جداً
أبد الدهر وآخرون يصومون يوماً قصيراً جداً أبد الدهر.
3- فريضة الحج : قال تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ
فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي
الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ ) – البقرة 197 -
ب- أيضا مرتبط بنوافل الطاعات ..
فمثلا .. صيام الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من
كل شهر ، وَأَصْلُهَا أَيَّامُ اللَّيَالِيَ الْبِيضِ . وَهِيَ لَيْلَةُ
ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَلَيْلَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ ،
وَسُمِّيَتْ هَذِهِ اللَّيَالِي بِالْبِيضِ لاِسْتِنَارَةِ جَمِيعِهَا
بِالْقَمَرِ .
روى البخاري عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (
أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمِ
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَوْمٍ عَلَى
وِتْرٍ. وأيضا صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء وغيرهم من الطاعات ).
وللأسف الكثير من المسلمين لا يحافظون على هذه السُّنة لأنهم يجهلون التاريخ الهجري .. اليوم والشهر .. حتى السنة ..
ج- أيضا يرتبط بالتكاليف الشرعية والكفارات ..
مثل عدة المطلقة إن لم تكن تحيض .. والإجارة ومواعيد الديون وغيرها ،
ومن القواعد الشرعية : مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب . وقال الفخر
الرازي:قال أهل العلم: الواجب على المسلمين .. أن يعتبروا في بيوعهم ومدد
ديونهم وأحوال زكاتهم وسائر أحكامهم بالأهلة، لا يجوز لهم اعتبار السنة
العجمية الرومية.
3- مرتبط بعقيدة المسلم :
أ- تاريخ أية أمة هو رمز وشعار لها وله دلالات تحمل معاني في الاعتزاز
بأيام هذا التاريخ ، ولذلك نجد أن اليهود عظموا زمن موسى عليه الصلاة
والسلام فأرخوا أحداثهم من زمن نبوته ، والنصارى عظموا ميلاد عيسى عليه
السلام فأرخوا أحداثهم من زمن هذه الميلاد ... ، وكل أمة من الأمم تحرص على
التمسك بالتاريخ الذي له صلة بمعتقداتها وحضارتها .. ، وعندما تكون
الأمة مغلوبة متأثرة بغيرها فإنها تعتمد على تاريخ غيرها من الأمم، ولذلك
فإن على المسلمين التمسك بالتاريخ الهجري، إذ أن التمسك به في الحقيقة
تمسك بجزء من خصائص الشخصية الإسلامية..
ب- صان الله تعالى شهور ذلك التقويم فلم يجعلها ترمز لوثن ، ولا تشير
إلى معصية وإنما كانت ذات دلالات بلسان عربي مبين، وشرفها بالحديث عنها
جملة ، وبالإشارة إلى بعضها في غير موضع، وذكر واحد منها، كذلك حفظ أسماء
الأيام، وكانت لكل اسم دلالته، وشرف بعضها بذكره في القرآن صراحة،
وحدَّث المعصوم صلى الله عليه وسلم عن باقيها في مواقع من حديثه الشريف،
وطهرت أسماء الأيام من دنس الضلال، وسلمت من وثنية الجاهلية التي فرضت
حتى على العالم المعاصر ...
فالتأريخ الميلادي الشمسي مثلا يقترن بتمجيد اثني عشر إلهاً مزعوماً من آلهة الرومان الأسطورية
4- إجماع الأمة على العمل به :
أ- قال الحافظ ابن كثير : أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رفع إليه
صك - أي حجة - لرجل على آخر وفيه، إنه يحل عليه في شعبان.فقال عمر: أي
شعبان ؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية، أو الآتية ؟
ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير
ذلك.فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم
واحداً بعد واحد.وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم.وكانوا يؤرخون بملك
اسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك.وقال آخرون أرخوا بمولد رسول الله صلى
الله عليه وسلم وقال آخرون بل بمبعثه، وقال آخرون بل بهجرته، وقال آخرون
بل بوفاته عليه السلام.فمال عمر رضي الله عنه إلى التاريخ بالهجرة لظهوره
واشتهاره.واتفقوا معه على ذلك.
ب- وممن قال بهذا الرأي عمر الفاروق رضي الله عنه حيث ورد عنه : الهجرة
فرقت بين الحق والباطل فاتفقوا جميعاً على ذلك، فأرخوا بهجرة النبي ،
وبشهر المحرم ، لأنه أول شهور السنة القمرية ، وكان ذلك يوم الأربعاء
الموافق ٢٠ من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة من الهجرة واعتبر الخميس ١/1/1
هـ الموافق ١٥ من يوليو سنة ٦٢٢ م بالحساب، وبالرؤية غرة المحرم للعام
الهجري الأول وهو تقويم رباني سماوي كوني توقيفي قديم قدم البشرية ليس من
ابتداع أحد الفلكيين وليس للفلكيين من سلطان عليه، ولا على أسماء الشهور
القمرية ولا على عددها أو تسلسلها أو أطوالها ولا على طبيعة سنتها من
حيث البسط والكبس ولا على عدد السنوات الكبيسة أو البسيطة في الدورة
القمرية كل ذلك يتم بحركة كونية ربانية لا دخل للبشر فيها.
ج- وقد ذكر بعض العلماء أن في القرآن الكريم إشارة إلى ابتداء التاريخ
الإسلامي بالهجرة وذلك في قول الله تعالى : ... لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى
التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ
رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِّرِينَ ... ففي قوله (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) إشارة إلى أن ذلك
اليوم ينبغي أن يكون هو أول أيام التاريخ عند المسلمين، وهو ما فهمه
الصحابة رضي الله عنهم فجعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من هجرة النبي صلى
الله عليه وسلم.
5- سهولة التأريخ الهجري ويسره ووضوحه :
قال تعالى يقول .. ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ ... ) – البقرة 185 - ثم إن الإنسان بإلقاء نظرة على
القمر يستطيع أن يعرف هل هو في أول الشهر أو وسطه أو أخره ، بينما لا يمكن
ذلك في الشهر الميلادي لكونه مرتبطاً بحركة الشمس.
6- مرتبط بأعياد الأمة :
الأعياد مرتبطة بتاريخ هذه الأمة وشعائرها .. روى أبو داود عَنْ أَنَسٍ
قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ مَا هَذَانِ
الْيَوْمَانِ قَالُوا كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ
قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ
الْفِطْرِ .
7-نسيان تاريخ الأمة المجيد
التاريخ الهجري يمثل للمسلمين القلب النابض الذي يعمل على بث روح الأمل
فيهم من جديد، فهو الذي يذكر بالأحداث المجيدة كغزوة بدر، وفتح مكة،
والقادسية وغيرها من أحداث عظام في تاريخ أمتنا، ولقد فطن أعداؤنا إلى
أهمية التاريخ الهجري بالنسبة للمسلمين فعملوا على إهماله فكانت إحدى أهداف
المستعمِر محو ذلك التاريخ من عقول الناس ونسيانه
يا جامعي حطب التاريخ في قلم……لا تحرقون سوى الأيدي بلا حذر
هلا وعيتم دروس الأمس دامية……هلا استجبتم لضم القوس للوتر
فالقلب إن يعزف الإيمان نبضته……كان الجناحان ملئ السمع والبصر
واجبنا نحو التاريخ القمري الهجري :
1- الاعتماد عليه ومزاحمته للتاريخ الميلادي ، فلقد بدأ التاريخ
الميلادي يغزو بلاد الإسلام في عصر الخديوي إسماعيل ، وبعد عملية
المزاحمة بدأت عملية الإزاحة ، حتى صار المسلمون اليوم يعتمدون على
التاريخ الميلادي ونسوا التاريخ الهجري إلا من رحم ربى . فنعتمد عليه في
البداية في خاصة أنفسنا ، فنسجل به التواريخ المهمة في حياتنا .. من
تواريخ ميلاد الأبناء والزواج وغيرها .
2- استخدام النتائج والأجندات الإسلامية .. فهي خير معين على ذلك .
3- تذكر المناسبات التاريخية ... عاشوراء ... بلاط الشهداء .. الزلاقة ..
4- نشره بين الناس ... فمثلا إذا سألنا شخصاً عن تاريخ اليوم نذكر
التاريخ الهجري والميلادي ، والإخوة والأخوات المدرسون والمدرسات لهم دور
كبير في هذا الأمر من تعويد الطلاب على الحرص على كتابة التاريخيين .
تعليقات
إرسال تعليق