سليمان القانوني قاتل لأبنائه أم فاتح عظيم؟
سليمان القانوني قاتل لأبنائه أم فاتح عظيم؟
مسلسل حريم السلطان اللي تناول قصة حياة السلطان العثماني سليمان القانوني وما يحدث في كواليس قصره من مكائد ومؤامرات نسائية
جعل كتير من الناس بيعتبروا سليمان مجرد قاتل لأبنائه وواحد عايش مع الجواري والنساء
فهل فعلا هو كما صوره المسلسل؟
عايزين نعرف باختصار عن هذه الشخصية العظيمة التي حرص أعداء الإسلام على تشويه صورتها
ولو كتبنا عنها وعن أعمالها وانجازاتها مش هنقدر نوفيه حقه
مش ممكن ناخد تاريخنا من مسلسلات مشوهة للتاريخ سواء كانت حريم السلطان أو سرايا عابدين أو غيرها
فأغلبها تشويه لحقيقة التاريخ وواضح للأسف أن هذه المسلسلات قد نجحت في مهمتها في تشويه تاريخنا
وهناك أكثر من نقطة تحتاج إلى توضيح
ولكن قبل الحديث عنها لابد أن نعلم أن اي شخصية عظيمة مهما بلغت في تدينها فهي في النهاية بشر معرضة لأن تخطئ وتصيب لأن البشر غير معصومين وليس من العدل والإنصاف أن نمحي تاريخا عظيما مشرفا في الفتوحات وعز الآسلام بسبب خطا واحد
ومهم جدا نعرف خوف سليمان القانوني من لقاء الله وحسابه وكان حريصا على الحكم بالشريعة الاسلامية وليس القوانين الوضعية
بلغت الدولة في عهده أقصى اتساع لها حتى أصبحت أقوى دولة في العالم في ذلك الوقت، واشتهر بسليمان القانوني، لأنه وضع نظمًا داخلية في كافة فروع الحكومة، فأدخل بعض تغييرات في نظام العلماء والمدرسين الذي وضعه محمد الفاتح، وجعل أكبر الوظائف العليا وظيفة المفتي، وأدخل التنظيمات على جيش الإنكشارية، وكانت كلها في ضوء الشريعة الإسلامية، ولم تكن مستمدة من القوانين الوضعية كما قد يتبادر إلى الأذهان.
يُروى عن السلطان سليمان القانوني ( 1520-1566)
أنه أخبره موظفو القصر ، باستيلاء النمل على جذوع الأشجار في قصر طوب قابي
و بعد استشارة أهل الخبرة خلص الأمر إلى دهن جذوعها بالجير
و لكن لم يكن من عادة السلطان أن يقدم على أمرٍ دون الحصول على فتوى من شيخ الإسلام
فذهب إلى أبي السعود أفندي بنفسه يطلب منه الفتوى ، فلم يجده في مقامه ، فكتب له رسالة شعرية يقول فيها
إذا دب النمل على الشجر ** فهل في قتله ضرر ؟
فأجابه الشيخ حال رؤيته الرسالة قائلا
إذا نُصبَ ميزان العدل ** يأخذ النمل حقه بلا خجل
و هكذا كان دأب السلطان سُليمان ، إذ لم يُنفذ أمرا إلا بفتوى من شيخ الاسلام أو من الهيئة العليا للعلماء في الدولة العثمانية
تُوفي السُلطان في معركة - زيكتور - أثناء سفره الى فيينا
فعادوا بجثمانه الى إسطنبول ، وأثناء التشييع وجدوا أنه قد أوصى بوضع صندوق
معه في القبر ، فتحيّر العلماء و ظنوا أنه مليء بالمال ، فلم يجيزوا إتلافه
تحـت التُراب ، وقرروا فتحه
أخذتهم الدهشة عندما رأوا أن الصّندوق ممتلئ بفتاويهم فراح الشيخ أبو السعود
يبكي قائلا
لقد أنقذت نفسك يا سليمان ، فأي سماءٍ تظلنا ... و أي أرضٍ تُقلنا إن كنا مخطئين
في فتاوينا ؟
وحتى قتل ابنه مصطفى وان كان ظلما ونتيجة دسائس ومؤامرات فقط كان بفتوى
بحسب الكثير من المراجع التاريخية، فإنّ المؤرخين حمّلوا خورم أو السلطانة هويام مسؤولية مقتل الأمير مصطفى الذي كان محبوباً من الشعب. فقد ورد في المراجع أنّ هويام لعبت دوراً كبيراً في تحريض السلطان سليمان على ابنه وولي عهده مصطفى، وساعدها في ذلك زوج ابنتها الصدر الأعظم رستم باشا الذي انتهز فرصة قيادة مصطفى لإحدى الحملات العسكرية إلى بلاد فارس، وكاتب السلطان يخبره أنّ ابنه ينوي الانقلاب عليه بمساعدة العسكر.
وفي عام 1553، سافر السلطان إلى فارس، واستدعى ابنه إلى خيمته، ليتم خنقه فور دخوله بخيط من الحرير وبمساعدة خمسة من الجلادين الصم البكم الذين كان يعهد لأمثالهم بشنق أصحاب المكانة الرفيعة، وخصوصاً أبناء الأسر الحاكمة وفقاً للتقاليد العثمانية في إعدام الشخصيات المهمة.
ويقال إنّ سليمان القانوني قتل ابنه مصطفى بفتوى مزيّفة من شيخ الإسلام أبي سعود، إذ إنّ السلطان بعث رسالة إلى المفتي يقول فيها: “غاب تاجر ثري عن العاصمة، وعهد إلى عبده بالإشراف على أعماله، ولم يكد التاجر يسافر حتى سعى العبد لسرقة أموال سيده، وتدمير تجارته وتآمر على حياة زوجته وأولاده، فما هي العقوبة التي يستحقها هذا العبد؟” فأجاب شيخ الإسلام بأنّه يستحق الإعدام.
هذه الفتوى جعلت السلطان يزداد تصميماً على قتل ابنه على اعتبار أنّ خيانة الابن لأبيه لا تقلّ عن خيانة العبد لسيده.
أما بايزيد بن سليمان القانوني لجأ الى الدولة الصفوية وذهب الى الشاه طهماسب الصفوي لتحريضه على أبوه السلطان سليمان القانوني, فما كان من السلطان إلا ان قام بحملته الثالثة على الدولة الصفوية واجتاح تلك الدولة الكريهة الخبيثة وأمر السلطان الشاه طهماسب بقتل ابنه بايزيد , فتم قتله جراء خيانته وتعامله مع الصفويين .
نيجي لنقطة مهمة
لماذا تشويه سليمان القانوني بالذات ولماذا مسلسل حريم السلطان ؟
في سنة 1923م وهي سنة سقوط الخلافة العثمانية التي كانت آخر خلافة إسلامية، قررت أوربا النصرانية أن تقيم حفل انتصارها المبين على الإسلام والخلافة بطريقة جديدة وموجعة، حيث عقدت مسابقة لاختيار ملكة جمال أوربا في عاصمة الخلافة (أنقرة)، وكان من ضمن المتسابقات فتاة تركية وذلك لأوَّل مرة في تاريخ البلاد، وتقدمت الفتاة التركية واسمها "كريمان خالص" ممثلة لتركيا العلمانية، وقد استعرضت مفاتنها بلباس البحر على خشبة المسرح..! وعندها قال رئيس لجنة التحكيم في المسابقة وقتها كلمات تقطر بالتشفي والشماتة، وتكشف عن كمّ الكراهية الدينية المتجذرة في نفوس الأوربيين تجاه دولة الخلافة العثمانية، إذ قال معلقًا:
"أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوربا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400م، إنّ (كريمان خالص) ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة، ها هي (كريمان خالص) حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا (بالمايوه)، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا. ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني سليمان القانوني من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه؛ خشية أن يسري في بلاده. ها هي حفيدة السلطان المسلم تقف بيننا، ولا ترتدي غير (المايوه)، وتطلب منا أن نُعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أُعجبنا بها، مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبل الفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلتُرفع الأقداح تكريمًا لانتصار أوربا".
التاريخ الإسلامي تعرض عبر مراحله لحملات عاتية من التشويه والتزييف لأهداف سياسية أو مذهبية، ولكن في كل مراحله كان التشويه والتحريف يتم بأيدي تنتسب للإسلام بصورة من الصور، إلا التاريخ العثماني فقد نال هذا التاريخ حظه الأوفر من التشويه على يد الأوربيين الذين يحملون قدرًا مهولاً من الحقد والعداء للدولة العثمانية التي أذاقت أوربا والأوربيين طعم الهزيمة والذل والانكسار لقرون؛ مما جعل الأوربيون يجتهدون أيما اجتهاد من أجل تشويه تاريخ الدولة العثمانية العلية، وسجلوا عن العثمانيين كل سلبية، وجالت بها أقلامهم، وحلقت بها أفكارهم، وتجاهلوا كل إيجابية، ونظروا إلى تاريخ العثمانيين بعين البغض التي تبدي المساوي.
التاريخ العثماني كتبه الأوربيون أو من افتتن بهم وسار على منهجهم؛ لذلك نادرًا ما نجد كتابًا تاريخيًّا يتناول الدولة العثمانية بإنصاف وحيادية، فصورة الدولة العثمانية في المراجع الأوربية والعربية -على حد السواء- صورة نمطية شديدة السلبية تتجاهل كل فضيلة وتبرز كل نقيصة، فهي في نظر الكثيرين دولة احتلال للعرب وإبادة ودموية وسلب ونهب، كرّست التخلف والجهل، ونهبت خيرات البلاد، وفي نظر الأوربيين دولة إرهاب وغزو وإغارة وطغيان، دولة تسترق الأطفال وتغتصب النساء وتحتل البلاد وتنهب الخيرات.
فالذاكرة الأوربية لم تنس يومًا، ما قام به العثمانيون في القارة الأوربية، لم ينس الأوربيون أبدًا فتح القسطنطينية عاصمة العالم النصراني وقتها سنة 857هـ على يد محمد الفاتح وتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، في أكبر إشارة على ظفر الإسلام على النصرانية، وكيف أن العثمانيين قد وسّعوا رقعة الأراضي الإسلامية لتشمل معظم يوغسلافيا والمجر وبولندا ونصف روسيا وبلغاريا ومقدونيا ورومانيا واليونان، وامتدت ولاياتها عبر ثلاث قارات.
الذاكرة الأوربية لم تنس كيف وقف العثمانيون في وجه الصليبيين على مختلف الجهات، فقد هاجموا شرق أوربا لتخفيف الضغط الواقع على مسلمي الأندلس، وواجهوا البرتغاليين في جنوب الخليج العربي، وواجهوا الأسبان في شمال إفريقيا وسواحل البحر المتوسط، وواجهوا الروس القياصرة في وسط آسيا، وواجهوا البرتغاليين في شرق إفريقيا، ولم يستطع الأوربيون احتلال المنطقة الإسلامية إلا قُبيل سقوط الدولة العثمانية، في حين أن البلاد التي لم تخضع للدولة العثمانية مثل الهند وإندونيسيا وماليزيا وقعت مبكرًا بيد الاحتلال الأوربي، وعانت منه لما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولم ينس الأوربيون أن العثمانيين قد قاموا بنشر الإسلام في العديد من أجزاء أوربا، وأن مسلمي أوربا عامة وشرقها خاصة يدين بالفضل للدولة العثمانية في دخول الإسلام، حتى أصبح للمسلمين جاليات كبرى في أوربا، كانت مجهولة لكثير من المسلمين حتى وقعت مجازر البوسنة والهرسك في أواسط التسعينيات.
الذاكرة الأوربية متخمة بالكثير من المشاهد المؤلمة والمهينة والتي كان العثمانيون سببًا مباشرًا فيها، فالأوربيون لم ينسوا معارك كوسوفو الأولى والثانية وموهاكس وحصار فيينا وبلجراد ونيكوبولس وفارنا والقسطنطينية وغيرها كثير. كما لم ينس الأوربيون كيف أن العثمانيين قد أخذوا الأطفال اليتامى من البلاد المفتوحة في أوربا، وربُّوهم تربية إسلامية خالصة، وشكلوا بهم نواة الجيش العثماني الشهير بـ"الإنكشارية"، والذي ظل مصدر قوة وفخر للعثمانيين لفترة طويلة.
الأوربيون -ومن سار على دربهم من العلمانيين والمفتونين في بلادنا- كانوا وما زالوا يحقدون على الدولة العثمانية ويكرهونها بشدة، ورغم كل ما جرى للدولة العثمانية والأتراك على يد الأوربيين إلا أنهم ما زالوا يعتبرون العثمانيين المسلمين الخصم التاريخي اللدود الذي لا تنمحي عداوته ولا تفنى كراهيته؛ لذلك فهم لا يدخرون وسعًا في قطع الطريق على أي فكرة أو مشروع للحديث عن أمجاد الدولة العثمانية وتذكير الناس بمآثرها.
من هذه الزاوية، ولكل هذه الأسباب كان المسلسل التركي الشهير (حريم السلطان)، الذي تولى سيرة أعظم سلطان عثماني ظهر في أوائل الحقبة المعاصرة وهو السلطان (سليمان القانوني)، الذي يعتبر عصره هو ذروة النفوذ والاتساع والقوة في الدولة العثمانية، فقد كانت الدولة في أقصى اتساعها الجغرافي ونفوذها السياسي وتقدمها العلمي واستقرارها الاجتماعي وثباتها المؤسسي وثرائها الاقتصادي وتفوقها العسكري وذكائها الدبلوماسي، حتى إن الأوربيين قد أطلقوا على سليمان لقب "الفخم"، وهو السلطان العثماني الوحيد الذي قهر الإمبراطور شارلكان عاهل الإمبراطورية الرومانية الشهيرة، وحاصر عاصمته فيينا وكاد أن يفتحها.
منتجو ومؤلفو ومخرجو هذا المسلسل -وبالمناسبة مؤلفة المسلسل قد توفيت بالسرطان منذ فترة وجيزة- أرادوا تقديم الدولة العثمانية على أسوأ مثال وبأسوأ صورة، بصورة الدولة التي ينغمس سلطانها ووزراؤه وقادة دولته في الخمر والنساء والحريم، وهي نفس الصورة المترسخة في العقلية الأوربية عن المسلم عامة والمسلم العثماني خاصة، صورة الرجل الذي لا يفكر إلا في شهوته وملذاته، صورة السلطان العثماني في العقلية والثقافة الأوربية ليس له هدف سوى الجلوس مع الحريم والتنقل بين أفخاذ الجواري والاستماع لنميمة هذه وتلك، على الرغم من أن السلطان سليمان القانوني ظل في جهاد مستمر على عدة جبهات لأكثر من ثلاثين سنة، ولم يعرف الراحة إلا في أواخر أيامه بعد أن تقدمت به السن.
بضاعة أوربا اليوم ترد إليها عبر هذه الأفلام والمسلسلات التي ينتجها العلمانيون والكارهون لتاريخ الأمة المجيد، مسلسلات وأفلام تشوِّه التاريخ وتطمس الأمجاد وتبرز السلبيات وتضخم الأخطاء وتجافي الحقائق، وترسِّخ في عقول الناشئة هذه الصورة السيئة والمعيبة عن التاريخ الإسلامي في أزهى عصوره، بصورة سينمائية باهرة تخلب الألباب وتجذب الأنظار.
أوربا اليوم تصفي حساباتها مع الإسلام والمسلمين، وتحاول الأخذ بثأرها، ليس من الدولة العثمانية كما يظن الكثيرون، ولكن من الإسلام نفسه وتاريخه العظيم.
تعليقات
إرسال تعليق