معنى ولا يسترقون


يقول صلى الله عليه وسلم : "عُرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرهيط، والنبي وليس معه أحد، حتى رأيت سواداً عظيماً، فقلت: هؤلاء أمتي، فقيل: لا هذا موسى وأمته، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم قد سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب"، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته، فاختلف أصحابه في هؤلاء، فقالت طائفة منهم هم الذين ولدوا في الإيمان ولم تسبق عليهم سابقة الشرك، وقال آخرون: هم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه، فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن حوارهم فذكروا هذا، فقال: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون"،


وهذا الحديث فيه بيان لمنزلة من منازل أهل الإيمان هي حق التوكل على الله سبحانه وتعالى.



ولكن ما معنى لا يسترقون؟

 



هناك قولان للعلماء في معنى لا يسترقون



القول الأول : الاسترقاء الذي هو طلب الرقية
فهذا جائز، وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على جوازه، ومنها حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. رواه مسلم. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أسترقي من العين. رواه مسلم. إلى غير ذلك من الأحاديث.



ولا تعارض بين هذه الأحاديث وحديث: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. رواه البخاري ومسلم.



وقد جمع الإمام النووي رحمه الله بين هذا الحديث والأحاديث التي قبله فقال في شرح مسلم:
فقد يظن مخالفاً لهذه الأحاديث، ولا مخالفة، بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار، والرقى المجهولة، والتي بغير العربية، وما لا يعرف معناها، فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر، أو قريب منه، أو مكروه وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه، بل هو سنة.


ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين إن المدح في ترك الرقى للأفضلية، وبيان التوكل والذي فعل الرقى، وأذن فيها لبيان الجواز مع أن تركها أفضل، وبهذا قال ابن عبد البر وحكاه عمن حكاه،

والمختار الأول وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات، وأذكار الله تعالى


قال المازري: جميع الرقى جائزة إذا كانت بكتاب الله أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت باللغة العجمية، أو بما لا يدرى معناه، لجواز أن يكون فيه كفر...


وأما قوله في الرواية الأخرى: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى، فأجاب العلماء عنه بأجوبة: أحدها: كان نهى أولاً، ثم نسخ ذلك، وأذن فيها وفعلها، واستقر الشرع على الإذن.
والثاني: أن النهي عن الرقى المجهولة.
والثالث: أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة.




القول الثاني : جاء في القول المفيد لابن عثيمين ـ رحمه الله ـ ما يلي:

واستفعل بمعنى طلب الفعل ... وهنا استرقى؛ أي: طلب الرقية، أي لا يطلبون من أحد أن يقرأ عليهم، لما يلي:

1 ـ لقوة اعتمادهم على الله.

2 ـ لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله.

3 ـ ولما في ذلك من التعلق بغير الله.



ثم مما قال عند تعليقه على المسألة السابعة عشرة ما يلي: فالإنسان إذا أتاه من يرقيه ولم يمنعه؛ فإنه لا ينافي قوله: " ولا يسترقون"،


لأن هذا على ثلاث مراتب:



المرتبة الأولى: أن يطلب من يرقيه، وهذا قد فاته الكمال.


المرتبة الثانية: أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال؛ لأنه لم يسترق ولم يطلب.


المرتبة الثالثة: أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عائشة أن ترقيه، وكذلك الصحابة لم يمنعوا أحدا يرقيهم؛ لأن هذا لا يؤثر على التوكل.



اللهم اجعلنا من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب . 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )