تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش !
أخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((تَعِسَ
عبدُ الدينارِ ، وعبدُ الدرهمِ ، وعبدُ الخميصةِ ، إن أُعْطِي رَضِيَ ،
وإن لم يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وانتكسَ ، وإذا شيكَ فلا انتقشَ ، طوبى
لعبدٍ آخذٍ بعنانِ فرسِهِ في سبيلِ اللهِ ، أشعثَ رأسُهُ ، مغبرَّةً
قدماهُ ، إن كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ ، وإن كان في الساقةِ كان في
الساقةِ ، إن استأذنَ لم يُؤْذَنْ لهُ ، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّعْ ))
وأخرج
ابن ماجـة في صحيحه _ عن أبي هريرة _ رضي الله عنه ,, أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال (( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش )) صححه الألباني _ في صحيح الجامع .
ممكن البعض يسأل وهل من الممكن فعلا أن يُعبد الدينار والدرهم والجنيه والريال والمال عموما من دون الله ؟
العبادة ليست ما نعرفها من صلاة وركوع أو أني أجعل المال رب يعبد من دون الله
ولكن عبادة المال هو أن يجعل المال هو الأهم في هذه الدنيا
يقدمـه على عبادة الله جل وعلا من تأخير الصلاة والإعراض عنها وفتح عليه أبواب الحرام والربا
وكأنه قد خلق للسعي خلف المال .
ولهذا
لانعجب من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال (( مالفقر أخشى عليكم،
ولكن أخشى أن تبسط لكم الدنيا، كما بسطت لمن كان قبلكم، فتنافسوها كما
تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم .. )).
للأسف كتير جعل هدفه في الدنيا الحصول على المال بكل طريق مشروع وغير مشروع
وكأنه
نسي قول الجبار سبحانه وتعالى (( وما أموالكم ولا أولادكم باللتي تقربكم
عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في
الغرفات آمنون )) .
فالذي كان همه جمع مال والقرب منه وبعد عن
الدين والعبادة فيجيبه سبحانه الباري فيقول (( ومن كان يريد حرث الدنيا
نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب )) .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: ( تعس عبد الدينار )
تعسَ
معناها: هلك، دعاءٌ عليه بالخيبة، والهلاك ضد السعادة، شقيَ وهلك وانكب
على وجهه، مثلما لو تعثر الشخص وانكب على وجهه، فكلمة تعسَ: دعاءٌ عليه
بالهلاك، إن النبي عليه الصلاة والسلام مجاب الدعوة، يدعو على هذا الرجل
بالهلاك والشقاء وأن يتعثر وينكب على وجهه، من هو؟ عبد الدينار.
لقد
جعل الدين وسيلةً للدنيا، فالدنيا عنده أعظم، لقد جعل الدنيا هي الأساس
وهي المقدمة، فهل اكتفى عليه الصلاة والسلام بالدعاء عليه مرةً تعس عبد
الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس.. تعس..؟ لم يكتفِ بذلك.
دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أربع مرات على كل عابد لهذه الأشياء، ثم أعاد الدعاء، فقال:
(تعس
عبد الدينار ) عاوده المرض، انقلب على رأسه، باءَ بالخيبة، خاب وخسرَ،
وهذا فيه ترقٍ في الدعاء عليه، لأنه إذا تعسَ، انكب على وجهه، فإذا انتكس
انقلب على رأسه بعدما سقط، وليس هذا فقط دعاء عليه، وإنما تتوالى الأدعية
من النبي صلى الله عليه وسلم على عابد الدنيا,
( وإذا شيك فلا
انتقش ) إذا أصابته شوكة (شيك) ، يدعو عليه ألا يجد أحداً يخرجها له
بالمنقاش، ولا يستطيع أن يخرجها هو، هذا الدعاء عليه مرتبط بمقصوده، عكس
مقصوده؛ لأن من عثر فدخلت في رجله شوكة فلم يجد من يخرجها، ماذا يصبح
بالنسبة للحركة والسعي؟ عاجزاً عن السعي والحركة، وهذا الرجل كل سعيه
وحركته من أجل الدنيا، فدعا عليه دعاءً يعطله عن ما نذر نفسه له من الدنيا،
ويدعو عليه ألا يستطيع أن يحصل الدنيا، وأن يقعد به المرض، تقعد به صحته
عن مواصلة السعي بالدنيا، وإذا وقع في البلاء لا يجد من يترحم عليه، لأن
من وقع عليه البلاء فترحم عليه الناس وعطفوا عليه ورقوا له ربما هان عليه
الخطب.
(إذا شيك فلا انتقش)، ولا أحد يخرجها له بالمنقاش، فقد
يهتم به أحد ليخرجها له بالمنقاش، لكن يدعو عليه أنه إذا أصابته ولو شوكة،
بألا يجد أحداً يخرجها له، فكيف بما هو أعظم من الشوكة؟!
إذاً:
النبي عليه الصلاة والسلام يدعو عليه ألا يرق له قلب إنسان، ولا يعطف عليه
إنسان، حتى لا تهون عليه مصيبته، ولا يتسلى بكلام الناس وتعزيتهم له، بل
إنه يزيد غيظه، لأنه لا يجد أحداً يهتم به، ولا شك أن فرح الأعداء غيظ
بالنسبة للمصاب.
فما
دعا عليه بهذه الدعوات، وتنوعت الدعوات وتكررت وصارت بهذه الشدة إلا لأن
هذا الرجل وضعه في غاية السوء، إنه جعل مقصوده ومطلوبه هو المال والدنيا،
وسعى للتحصيل بكل سبيلٍ ممكن، حتى صارت نيته مقصورةً على الدنيا يغضب لها
ويرضى لها، ولذلك سماه عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة
وذكر في هذا الحديث دعاءٌ وما هو خبر: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)
هذه حال من أصابه شر، لا نال المطلوب ولا تخلص من المكروه، وهذا حال من عبد
المال أيضاً.
وقال في الحديث: (إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط)
إذاً
هذا يرضى إذا أعطي، أعطاه الله أعطاه الناس يرضى إذا أعطي، وإذا لم يعط
وحرم ومنع، سخط؛ سخط على الله أو على الناس ، المهم أن يأخذ، وإذا لم يعطَ،
فهو ساخط وغاضب يسب ويلعن؛ لأن الهدف عنده هو المال، ما الذي يسكته؟
الإعطاء، وما الذي يثيره؟ المنع، وإذا حرمه الله من شيء، قال: لماذا كنت
فقيراً وهذا غني؟ فيكون ساخطاً على قضاء الله وقدره،
والله إذا
أعطى يعطي لحكمة، وإذا منع يمنع لحكمة سبحانه وتعالى، إن هذا الرجل لا
يفقه أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب،
إن هذا الرجل يظن أن الله إذا أعطاه فإن ما هو يحبه، ما هو الدليل على
ذلك؟ ما هو الدليل على أن بعض الناس يظنون أن الله إذا أعطاهم أنه يحبهم؟
اللهم لا تجعلنا منهم
تعليقات
إرسال تعليق