ماذا لو تأخر قليلاً !!!


يهمُّ المرء أنْ يعمل عملاً صالحًا يعودُ عليه بالخير في الدُّنيا والآخِرة، فيوسوس له الشيطان قائلاً: لماذا لا تؤجِّل هذا العمل إلى أوَّل الأسبوع أو اول الشهر أو حتى إلى الغد ؟
ويستَجِيب له الإنسان، ويأتي الغد وأوَّل الأسبوع وأول الشهر وينشغل صاحبنا ولا يعمل شيئًا؛ فيضيع عليه ثوابُ ذلك العمل الصالح.

فالتسويف هو عدوُّ الإنسان الذي يريدُ الصَّلاح والارتقاء والتقدُّم، وهو سلاحٌ من أسلحة الشيطان يصرف به الناسَ عن الخير، ويقعُد بهم في زَوايا الخُمول.

وقد يعزم المرء على قيام جزءٍ من الليل، يُناجِي فيه ربَّه، فتأبى نفسه الانصياع لهذا العزم، وإنَّ النفس لأمَّارةٌ بالسوء إلا ما رحم الله، فيستجيبُ لها ويقول: سأقومُ بعد أنْ آخُذ قسطًا من الراحة، فيغطُّ في نومٍ عميق إلى الصباح، ويفوته خيرٌ كثير، وثواب جزيل.


قال الله - تبارك وتعالى -: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

وقال - سبحانه -: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ .

نحن في سباقٍ مع الأجل والأشغال، والمرض والصوارف الكثيرة؛ فعلينا أنْ نغتَنِم الفرصةَ المتاحة لنا الآن، فما ندري هل تبقى مُتاحةً لنا؟!


والتسويف ليس مذموما كله وليس محمودا كله، بل منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود.

فأما المذموم : فهو التأجيل أو التأخير لتنفيذ المطلوب بغير مبرر أو مقتضى،
وهو الذي نبه إليه الحق - تبارك وتعالى - بقوله:
{حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت} (المؤمنون: 99)

{اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين} ( الزمر: 55-58 ).
وغيرها من الآيات

كما نبه إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "بادروا بالأعمال الصالحة سبعا: هل تنتظرون إلا فقرأ منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" ،

وقوله صلى الله عليه وسلم "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" .


وأما المحمود : فهو التهويل أو الوعد والوعيد، دفعا لفعل خير، أو ترك شر، أو ترقبا وانتظاراً للحظة مناسبة، وفرصة مواتية

ويدلنا على حسن هذا النوع من التسويف وروده في كلام الحق - تبارك وتعالى - في كتابه الكريم، إذ يقول سبحانه : {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا}(النساء: 30)

كما يدلنا على حسن هذا النوع من التسويف، وروده على لسان بعض الأنبياء كما حكى القرآن الكريم: فقد طلب أولاد يعقوب من أبيهم أن يعفو عنهم وأن يستغفر لهم ربهم، بعد أن أدركوا خطأهم الذي وقعوا فيه بشأن يوسف عليه السلام قائلين: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين} (يوسف:97)، فرد عليهم قائلا: {سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} ( يوسف: 98).


قال الحسن : إياك والتسويف ، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غداً لك فكن في غد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم .

قال بعض إخوة عمر بن عبدالعزيز - رضِي الله عنه - له: يا أمير المؤمنين، لو ركبتَ فتروَّحتَ، فقال: مَن يجزي عنِّي عملَ ذلك اليوم؟ قال: تجزيه من الغد، قال عمر: فدحني عملُ يومٍ واحد، فكيف إذا اجتَمَع عليَّ عملُ يومين؟!

وقِيلَ لرجلٍ من عبدالقيس: أَوْصِ، فقال: احذروا (سوف).



من أسباب التباطؤ والتسويف:
1ـ ضعف الهمة والإرادة:
فبينما تجد صاحب الهمة العالية في شغل دائم، مهموما بإصلاح نفسه ، ساعيا في اللحاق بركب المتقين، تجد ضعيف الهمة كسولا متراخيا، مؤجلا عمل اليوم إلى الغد.


2ـ صحبة البطّالين:
فالإنسان يتأثر بالبيئة المحيطة به، ويكون التأثير الأكبر لأصحابه المقربين، فإذا كانت هذه الصحبة بطالة تميل إلى الدعة والراحة تهمل أداء الواجبات، وتميل إلى الجرأة على المنكرات


3ـ طول الأمل:
فإن طول الأمل ينسي العبد التفكر في أمر الآخرة والاستعداد لها وكما قيل: لولا طول الأمل ما وقع إهمال أصلا.
ولهذا كان الصالحون يستعيذون بالله من طول الأمل؛ لأنه يمنع صالح العمل.

4ـ ضعف جانب الخوف وتغليب جانب الرجاء:
فالإنسان حين يأمن العقوبة قد يسيء الأدب، وحين يأمن الإنسان مكر الله وعقابه، ويمني نفسه بعفو الله ومغفرته فإن ذلك يوقعه في التسويف والتأجيل طالما أنه استقر في نفسه أن الله عفو غفور رحيم ، لكنه نسي أن الله تعالى شديد العقاب وأن بطشه شديد وأن عذابه أليم وأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.


أما آثار التسويف على العاملين فكثيرة
نذكر منها:

1 - الحسرة والندم في وقت لا تنفع فيه الحسرة والندم:
ذلك أن المسوف يقضي دهره متعديا على حدود الله، مفرطاً في جنبه حتى إذا جاءه الموت، وكشف عنه الغطاء، وعاين الأمور على حقيقتهما يتحسر ويندم، ويتمنى التأخير، أو الرجعة إلى الدنيا ليتدارك أمره، وأنى له ذلك، وقد ضاعت منه الفرصة وفات الأوان.

2 - الحرمان من الأجر والثواب:
وهو كذلك بتعديه على حدود الله، وتفريطه في جنبه سبحانه حرم نفسه من كثير من الأجر والثواب، وصدق الله الذي يقول: {إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} (الزمر: 15).

3 - تراكم الذنوب، وصعوبة التوبة :
والتسويف يؤدي إلى تراكم الذنوب، وإذا تراكمت الذنوب ثقلت على المرء، وحار حيرة شديدة، بأيها يبدأ، وبأيها ينتهي، الأمر الذي يؤول به إلى استثقال التوبة وصعوبتها وواقع العصاة والمذنبين في كل عصر ومصر خير شاهد على ذلك .

4 - تراكم ا لأعمال، وصعوبة الأداء :
وقد يؤدي التسويف إلى تراكم الأعمال، وتزاحم الأعباء، فلا يدري المرء أيها يقدم، وأيها يؤخر، ومن ثم يتشتت فكره ويضيع سعيه، ويصبح أمره فرطا، ولا يمكن أن ينجز واجباً من الواجبات .

5 - ضياع الهيبة، وعدم القدرة على التأثير في الناس:
وهو بتعديه على حدود الله، وتفريطه في جنبه سبحانه وعدم قيامه بواجبه نحو ربه، ونحو نفسه، وذويه، ونحو أمته، تضيع هيبته من صدور الناس، ولا يتمكن من إتقان أي عمل من الأعمال، الأمر الذي يفقده القدرة على التأثير في الناس، وإذا ضاعت هيبة المسلم من صدور الناس فقد القدرة على التأثير فيهم، واستوى معهم، وكيف يستوي معهم، والمفروض أنه إمامهم، ورائدهم .


العلاج من آفة التسويف :-
وكما يقال ( لكل داء دواء ) فالتسويف إعترفنا أنه مرض وآفة فيلزمنا حتى نتجنبه من علاج :
1/ عدم القنوط واليأس من رحمة الله تعالى
2/ التذكير بأن التسويف عجز وضعف وأن الإنسان قادر بعون الله
3/ المداومة على الدعاء والتضرع لله تبارك وتعالى
4/ على أولياء الأمور الإهتمام بمن تحت ولايتهم
5/ البعد عن صحبة الكسالى وإن كثروا في هذا الزمان فكما يقال ( لا يغرنك كثرة الهالكين ولا تستوحش قلة السالكين )
6/ المداومة على كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم
7/ الإحتراز من المعاصي والسيئات
8/ تذكر الموت والدار الآخرة
9/ معايشة السلف الصالح والتطلع في سيرهم العطرة
10/ أن تقوم الأمة بمحاسبة المسويفين
11/ عدم الإستهانة بأي أمر من الأمور
12/ التذكير دائما بعواقب التسويف


اللهم اجعلنا من السابقين لفعل الخيرات

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )