الإمعة

 عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا) رواه الترمذي .

وقد ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في "ضعيف الترمذي" غير أنه صححه من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
ولا شك أن المعنى الذي تضمنه الحديث صحيح .



والإمعة هو المقلد الذي يجعل دينه تابعا لدين غيره بلا رواية ولا تحصيل برهان ، ويقول لكل أحد : أنا معك .



لقد أنعم الله على الإنسان بالعقل ، ومن أبشع الجرائم التي يقوم بها الإنسان في حق نفسه تعطيل عقله ليصبح مجرد تابع لمن حوله من غير تفكير ، فيضع على عينيه عصابة ويسلم زمام قياده لغيره حتى يقوده أين ما شاء ومتى شاء وكيفما شاء!!
وتلك التبعية على أنواع :
فمن الناس من يتبعوا فرداً واحداً غرهم منه قوته أو ماله وسلطانه فيتبعونه على ما عنده من أخطاء وبلاء فيهلكهم؛
ومثال ذلك إتباع قوم فرعون لفرعون قال الله عنهم محذراً من سلوك مسلكهم:{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الزخرف:54).


ومن أنواعها إتباع طوائف من الناس للسادات والكبراء ظناً منهم أنهم على الحق وأن ما حصلوا عليه في الدنيا من مناصب ورفعة في النسب وزيادة في الأموال

،وقد حذر الله تعالى من ذلك مبيناًً لنا حالة الحسرة التي أصيبوا بها يوم أن عاينوا عاقبة تلك التبعيِّة المقيتة بقوله:{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا()رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرً}(الأحزاب:67-68).

ومن أنواعها إتباع الشياطين وأعوانهم من السحرة والكهنة

قال العليم الخبير في ذم ذلك:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ..}(البقرة:102).

ومن أنواعها إتباع ما كان عليه الآباء والأجداد ولو كان ضلالاً مبيناً
قال الحق جل في علاه مبيناً ذلك النوع من التبعيِّة المقيتة والإصرار عليها:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}(لقمان:21).

ومن أنواعها إتباع الهوى وتقديمه على إتباع شريعة الله

قال العظيم سبحانه في ذم ذلك:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} (محمد:14).

ومن أنواعها إتباع الشهوات حتى تجد أتباع هذا النوع يتخلى في سبيل تحقيق شهوته عن كرامته وعن إنسانيته بل وأحياناً حتى عن دينه؛
أخبرنا الله عن ذلك الصنف من الناس فقال في وصفهم:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا()إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئً}(مريم:59-60).؛





قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

الواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به ، وأن يقتصر على ما حده الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده ، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ، والذي ينبغي للمسلم أيضا ألا يكون إمَّعَةً يتبع كلَّ ناعق ، بل ينبغي أن يُكَوِّن شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعا لا تابعا ، وحتى يكون أسوة لا متأسيا ، لأن شريعة الله - والحمد لله - كاملة من جميع الوجوه كما قال الله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً )


وما التبعيِّة إلا ذل في الدنيا وحسرة في الآخرة ، يثقول تعالى :{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ}(إبراهيم:21).


غداً سيظهر لأهل التبعيِّة المقيتة خطأ فعلهم ولكن بعد فوات الأوان:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ()وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}(البقرة:166-167).


اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسئلة مراجعة سورة الدخان

اسئلة لمراجعة سورة الأنعام

دورة علم أصول الفقه ( 19 - أحوال اللفظ من حيث الظهور والخفاء )