العدل أم المساواة ؟
العدل أم المساواة ؟
كثيرا ما نسمع شعار المساواة بين الرجل و المرأة ، وتقام المؤتمرات وترفع الشعارات مطالبة بتحرير المرأة ومساواتها بالرجل .
ولو أنصفوا المرأة وأرادوا لها الخير لطالبوا بما أمر به الإسلام ونادى به من العدل بين المرأة والرجل وليس المساواة بينهما .
فمما يخطئ الناس في فهمه قولهم : الإسلام دين المساواة ،
والصحيح أن يقولوا : الإسلام دين العدل
.
لأن المساواة تقتضي عدم التفريق ، لكن العدل هو إعطاء كل أحدٍ ما يستحقه .
ولهذا لم يأت في القران أبداً : " إن الله يأمر بالتسوية " لكن جاء : { إن
الله يأمر بالعدل } النحل/90 ، { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }
النساء/58 .
وكذب على الإسلام مَن قال : إن دين الإسلام دين المساواة ، بل دين الإسلام دين العدل
وهو الجمع بين المتساوين والتفريق بين المفترقين .
فالإسلام لم يساو بين الرجل و المرأة في الأمور التي لو ساوى بينهما لظلم أحدهما ؛ لأن المساواة في غير مكانها ظلم .
ولكنه ساوى بينهم أمام الشرع في أحكامه ، وتكاليفه
فلا
يفرق بين الرجل والمرأة في إقامة الحدود إذا جاء أحدهم بما يستحق به جلداً
، أو رجماً ، أو قتلاً ، تتوضأ المرأة كوضوء الرجل ، وتغتسل كغسله ، وتصلي
كصلاته ، وتصوم كصيامه إلا أن تكون في حال حيض أو نفاس ، وتزكي كما أنه
يزكي ، وتحج كحجه – وتخالفه في يسير من الأحكام - ويجوز البيع منها ويقبل ،
وكذا لو تصدقت جاز منها .
كما أن من أوجه المساواة بين الرجل والمرأة : الوعد في الآخرة بالثواب ، والجنة
قال
الله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/ 97.
كما قرر سبحانه وتعالى قاعدة عظيمة من قواعد الحياة الزوجية ، للنساء من الحقوق مثل ما للرجال عليهن من الحقوق
وتعتبر أساسا من أسس التعامل بين الزوجين ، ومن الأركان العظيمة في قيام الأسر على العدل والرحمة .
فقال سبحانه وتعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )
يقول ابن كثير رحمه الله "تفسير القرآن العظيم" (1/363) :
" أي : ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف .
ولكن ما معنى هذه المثلية ( وَلَهُنَّ مِثلُ ) ، هل تعني التماثل التام بين الأزواج في الحقوق ؟
يقول العلامة الطاهر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (1/642) :
" والمثل أصله النظير والمشابه : وقد يكون الشيء مثلا لشيء في جميع صفاته ، وقد يكون مثلا له في بعض صفاته ، وهي وجه الشبه .
وقد
ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق : أجناسا أو
أنواعا أو أشخاصا ؛ لأن مقتضى الخلقة ، ومقتضى المقصد من المرأة والرجل ،
ومقتضى الشريعة ، التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام
العمران والمعاشرة .
فتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تُبَيِّنُهُ تفاصيل الشريعة :
فلا
يُتَوَهَّم أنه إذا وجب على المرأة أن تَقُمَّ – أي تنظف - بيت زوجها وأن
تجهز طعامه أنه يجب عليه مثل ذلك ، كما لا يُتَوَهم أنه كما يجب عليه
الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها ، بل كما تقم
بيته وتجهز طعامه ، يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة
والغربال ، وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا تهمل
ولده ، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه ، وعلى هذا القياس " انتهى .
إن
حقيقة العلاقة بين الرجل و المرأة في الإسلام أنها علاقة تكاملية وليست
علاقة تنافسية كما هي عند الغرب . بمعنى أن كلاً منهما يكمل الآخر .
فالإسلام
ينظر إلى الرجل و المرأة على أنهما شيء واحد هو الإنسان ، وأن هذا الإنسان
جنسان أو جزآن متكاملان هما الرجل و المرأة ، وأنهما ليسا متساويين في
التكوين والقدرات ، وبالتالي فيستحيل أن يتساويا في الحقوق والواجبات ،
لأن المساواة في أي شيء بين المختلفين نقص في العقل ، وظلم في الحكم .
وإن
من حكمة الله الخالق جل وعلا أنه لم يجعل الاختلاف بين الرجل و المرأة في
التكوين الجسمي والنفسي اختلاف تضاد ، بل جعله اختلاف تكامل . فطبيعة الرجل
الجسمانية مكملة لطبيعة المرأة ، وكل منهما لا يستغني عن أن يكمّل نفسه
بالآخر، ولذلك أصبح الزواج ضرورة إنسانية ، نظراً لأن الجنسين لا يمكن أن
يستقل أحدهما عن الآخر .
ولو طبقنا المساواة بالمعنى الذي ينادي
به البعض فلا حق للمرأة المطلقة في نفقة بعد الزواج ، ولا حق لها في
الأفضلية في حضانة الأبناء ، ولا حق لها في المهر، ولا حق لها في ساعات عمل
مخفضة بسبب الرضاعة.
إن
المساواة بين المرأة والرجل ظلم بيّن في حق المرأة . فالإسلام فضلها على
الرجل في مسائل وفضل الرجل في أخرى كل حسب الفطرة و القدرة الجسدية . ومن
هنا كان العدل في التفريق بين الرجل و المرأة في بعض الأحكام والحقوق
والواجبات بحسب ما يلائم طبيعة كل منهما .
وقد ثبت في صحيح البخاري
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
المشتبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال )
والخلاصة
أن المرأة تماثل الرجل في أمور وتفارقه في أخرى وأكثر أحكام الشريعة
الإسلامية تنطبق على الرجال والنساء سواء ، وما جاء من التفريق بين الجنسين
ينظر إليه المسلم على أنه من رحمة الله وعلمه بخلقه ، وينظر إليه المكابر
على أنه ظلم ، ويظلّ المسلم مطمئناً بالإيمان مستسلماً لأمر الله ( ألا
يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) الملك/14
تعليقات
إرسال تعليق